مهرجان الفن الصخري يكشف هويته البصرية

استعادة ذاكرة الإنسان الأول لحدث دولي غير مسبوق

استعادة ذاكرة الإنسان الأول لحدث دولي غير مسبوق
  • 198
نوال جاوت نوال جاوت

كشفت محافظة المهرجان الدولي للفن الصخري عن هويته البصرية، في بيان يحمل دلالات رمزية عميقة، تربط بين الماضي السحيق والحاضر المعاصر. فقد استمد شعار المهرجان عنصره الأساسي، من زخرفة هندسية مرسومة على موقع صخري، بهضبة مداك في تاسيلي ناجر، وهي من الشواهد الفنية التي خلفتها المجموعات البشرية لعصور ما قبل التاريخ، على الواجهات الصخرية للمنطقة. 

أعاد مصممو الهوية البصرية قراءة هذا العنصر الأثري، محولينه إلى دوائر متحدة المركز، في معالجة بصرية تستحضر حركة يد الإنسان الأول، وتمنح هذا الأثر القديم إيقاعا معاصرا، يليق بحدث دولي يحتفي بالتراث الإنساني. أما تنوع درجات المغرة المستخدمة في الشعار، فيستحضر ألوان الأرض والألوان الطبيعية، التي رافقت الفن الصخري في الصحراء منذ آلاف السنين، لتلتقي بذلك في الشعار الواحد، ذاكرة المكان بلغة التصميم المعاصر. وهكذا لا يأتي هذا الرمز من خارج المكان، بل من صميم تربته وصخوره؛ أثر قديم يستعيد حضوره اليوم، بوصفه هوية بصرية لمهرجان يحتفي بالفن والإنسان والذاكرة معا.

للتذكير، تستعد مدينة جانت، بوابة تاسيلي ناجر، لاستقبال حدث ثقافي وعلمي غير مسبوق في تاريخ الجزائر، مع انطلاق الطبعة الأولى للمهرجان الدولي للفن الصخري، الذي تحتضن فعالياته من 19 إلى 24 أكتوبر 2026، ويحمل هذا الموعد الثقافي الجديد، اسما رمزيا، هو "فنون التاسيلي"، تكريسا لمكانة هذه المنطقة الاستثنائية بوصفها واحدة من أبرز مواقع الفن الصخري في العالم.

ويُقام هذا الحدث في فضاء الحظيرة الثقافية للتاسيلي ناجر، المصنَفة موقعا مختلطا (طبيعيا وثقافيا) على قائمة التراث العالمي لـ"اليونسكو" منذ سنة 1982، بما تزخر به من آلاف الرسومات والنقوش الصخرية، التي توثق جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والروحية للمجموعات البشرية، التي استوطنت المنطقة على مدى آلاف السنين.

ويهدف المهرجان، الذي يُنظَم للمرة الأولى في تاريخ الجزائر، إلى إبراز ثراء التراث الصخري الوطني، وتعزيز جهود حمايته ودراسته وتثمينه، لاسيما في المناطق الجنوبية من البلاد. ومن المنتظر أن يساهم في إرساء إطار علمي سنوي، لعرض نتائج الدراسات المتخصصة في الفن الصخري، وإصدار مجلة علمية دورية، إلى جانب تنظيم معرض موضوعاتي سنوي، واستحداث فضاء دائم للتشاور بين مختلف الأطراف المعنية بحماية الحظائر الثقافية. كما يسعى المهرجان، إلى تعميم مبادئ الاستغلال السياحي المستدام للمواقع الكبرى للفن الصخري في الجزائر، بما يحول هذا التراث الاستثنائي إلى فضاء للمعرفة والتبادل والإبداع والتنمية الثقافية والسياحية.

وفي إطار الاستعدادات، فتح المنظمون باب الترشح أمام طلبة مدارس الفنون الجميلة بالجزائر، للمشاركة في إقامة فنية ميدانية، تُعنى باستلهام وتثمين التراث الصخري الجزائري، في مسعى لإتاحة الفرصة أمام المواهب الشابة، لاكتشاف أحد أهم مكونات التراث الثقافي الوطني، والاطلاع على قيمه التاريخية والحضارية والفنية عن قرب.

ويؤكد تنظيم هذا المهرجان بمدينة جانت، التزام قطاع الثقافة والفنون بمواصلة حماية الموروث الأثري الوطني، وإبراز مكانة الجزائر في دراسة تراث ما قبل التاريخ عالميًا. وبذلك، تتحول جانت، خلال هذه الطبعة الافتتاحية، إلى عاصمة عالمية مؤقتة لعصور ما قبل التاريخ، ورسالة اعتزاز بالهوية، موجَهة إلى شعوب العالم كافة، لزيارة ما يُوصَف بأنه "أكبر متحف طبيعي في العالم"، حيث تبقى صخور التاسيلي شاهدة على أن هذه الأرض، كانت وما تزال مهدا للحضارة الإنسانية ومنارة للإشعاع الفني الذي لا ينضب.