معرض بصري لإلهام لكميتي بـ"دار عبد اللطيف”
إعادة النظر في القناعات واكتشاف الجوانب الخفية من الذات
- 213
مريم. ن
قدمت الفنانة إلهام لكميتي، من خلال معرضها "ذوات نكونها"، بـ"دار عبد اللطيف"، إلى غاية 20 أكتوبر الجاري، مقاربات فلسفية تغوص في الوجود وفي الذات البشرية، في إطار فني مبتكر، يبدو أحيانا معقداً، خاصة في التصاميم المركبة، لكنه يطرح بتعبيراته ورمزيته، جدلية الفن وعلاقته بالتأمل والتساؤل، لفهم طبيعة الإنسان والكون. تبدو الفنانة الشابة لكميتي في ريعان شبابها، لكن هدوءها ومسحة الشجن في وجهها، تجعلان منها كيانا يحمل التجارب والأفكار والتساؤلات، التي لا تعكس سنوات عمرها.
تجاوز الإبداع إلى المعنى المكنون
رحبت الفنانة بـ"المساء"، وتجاوبت معها كثيرا، لذلك راحت تشرح بأدق التفاصيل، كُنْه معرضها الذي يتجاوز الإبداع الفني، إلى أفكار تخص الإنسان في عمقه ووجوده، معتبرة الفن وسيلة لتصوير المجتمع، ولتغييره أحياناً، فهو المرآة الصادقة والحية التي لا تكذب. قالت الفنانة "أنا امرأة أحمل الكثير من التساؤلات، التي تنتج عنها أفكار وتصورات، وأولها: ما معنى أن تكون إنسانا؟ ومن ثمة تأتي أعمالي بعفوية وسلاسة، علما أن جانب المرأة حاضر في أثر ما من مجسماتي ولوحاتي، وهذا لا يعني أن الرجل لا يفهم عالمي، بل هو انعكاس لعالم المرأة فقط". كما أشارت الفنانة، إلى أن لوحاتها تُبنى على أساس أسئلة ومعانٍ، أكثر مما هي أجوبة أو استنتاج مباشر، وبالتالي يتغلغل كل ذلك في موضوع اللوحة وفي ألوانها المختارة.
المجسم المركب.. آخر مرحلة في مسار الأفكار
بالنسبة للمجسمات، أو كما سمتها الفنانة “تركيبات”، فهي أربعة في هذا المعرض (وهو أول معرض فردي خاص بها، وكل الأعمال مكتوبة عناوينها باللغة الإنجليزية)، وهي، كما أكدت، تتبع الفكرة حتى تجسيدها في مجسم. في مجسم “الطائر الروح”، سلطت الفنانة، كما شرحته، الضوء على محدودية الرؤية تجاه الآخر، حيث وضعت صورة إنسان، مسلَطاً عليها إنارة مصباح، وكلما تحركت الصورة اكتُشف جانب آخر منها، بمعنى أن الناس يبنون تصوراتهم ومواقفهم وأحكامهم على الغير، من خلال الزاوية الظاهرة أمامهم في الضوء فقط، وهو ما اعتبرته محدودية الرؤية.
وتحدثت الفنانة أيضا عن البصر، مؤكدة أنها مرنته من أجل حساسية أكثر، أما الرؤية الداخلية، فأشارت إلى أنها ترى بالروح، وهي تتجاوز الأطر والأبعاد الفيزيائية التي لا تمثل دوما الحقيقة المطلقة. وهناك سلسلة من اللوحات الصغيرة البيضاء بها ما يشبه لطخة بالأسود، وهي موجودة في النفس البشرية، وهي دعوة للجمهور، تقول الفنانة، ليتأمل دواخل نفسه.
رافقت "المساء" الفنانةَ إلى فناء "دار عبد اللطيف"، حيث “التركيبة الفضائية”، فقد وضعت في الأعلى، غلافاً بلاستيكياً شفافاً، تطير تحته طيور مشدودة بخيوط بيضاء، وتحتها بقعة سوداء تشبه فوهة البركان المفحَمة، سقطت بعض الطيور فيها. وعن كل ذلك قالت "هذه البقعة المعدنية المفحَمة ما هي سوى "أرض الضياع"، أي القاع المليء بالتناقضات والعبثيات، وكل الطيور تعبير عن باطن الروح التي ترى وتتأمل من فوق ومن بعيد. وأحياناً، مع التناقضات والدوامات، يسقط بعض من الأنا العليا إلى القاع، مع إمكانية العودة بالطبع، فيما يسقط البعض ويتحولون إلى مجرد معدن بارد".
وفي مجسم آخر بالفضاء (2) من المعرض بعنوان “جانب مظلم من القمر”، قالت عنه الفنانة، إنه يوحي بتجاهل الإنسان لكل ما هو مخفي (الجانب المظلم فينا)، فهو لا يلتفت إلا إلى الجانب المضيء في القمر (النفس)، بينما يظل الوجه الآخر من القمر بعيدا، نخاف من رؤيته، كي لا تصدمنا الحقيقة. أما جانب آخر من المعرض بعنوان “من أنت عندما تختفي”، فيرصد حالة الصدق والحقيقة التي يعيشها الإنسان في عزلته، حين لا يراه أحد ولا يُجبَر على لبس الأقنعة أو التظاهر بما ليس فيه.
اكتشاف حركية المجرة في الكهف المظلم
في ختام جولة “المساء” بالمعرض، اقترحت عليها الفنانة آخر مسار في المعرض، بمغارة "دار عبد اللطيف" (كهف مظلم به بعض الإنارة الاصطناعية)، قدمت فيه مجسماً مكعباً شفافاً كبير الحجم معلقاً، وداخله قطع صغيرة ملونة متفاوتة الأحجام تشبه "القريصات" تدور بانتظام، وكأنها في فلك يشبه المجرة، ويشبه أيضاً أعماق النفس البشرية، إذ إنهما، حسب الفنانة، متشابهان، ما يدعو إلى العودة إلى الذات وإلى الأعماق. وبالمناسبة سألتها "المساء"، "هل يستطيع الإنسان في عصر السرعة والتكنولوجيا، أن يكون له الوقت والقدرة على التأمل والتفلسف؟" فردت بابتسامة وبثقة "الفن هو مرآة المجتمع، حتى في عصر السرعة، وأنا أطرح الأسئلة ليجيب عنها الجمهور كيفما شاء، وليجيب عما كان غائباً عنه أو مسكوتاً عنه”.
للإشارة، إلهام لكميتي، ابنة ولاية جيجل، فنانة تشكيلية متعددة التخصصات، بدأت مسيرتها بدراسة الهندسة المعمارية، ثم اتجهت إلى الرسم، وتحصلت على شهادتها من المدرسة الجهوية للفنون الجميلة بسطيف سنة 2017. تتجذر ممارستها الفنية بعمق في استكشاف داخلها الإنساني، من خلال الرسم، الذي تعتبره فضاءً حميمياً خاصاً (حسبما جاء في البطاقة الفنية المرافقة للمعرض)، وقد امتد هذا التوجه الفني اليوم إلى الفضاء، في شكل أعمال تركيبية فنية وسرديات.
ومن خلال أعمالها، تستكشف لكميتي الثنائيات الداخلية والحدود غير المرئية وحالات التحول، وتسعى إلى ابتكار فضاءات، يلتقي فيها التعبير الفني برحابة المكان واتساعه، بهدف الارتقاء بالروح الإنسانية نحو طبيعتها الأكثر صفاءً ونقاءً. كما تدعو المشاهد إلى التمهل وإعادة النظر في قناعاته الراسخة واكتشاف الجوانب الخفية من ذاته، وذلك من خلال حوار بين المادة والفضاء والتجربة الداخلية.