وصلت إلى العالمية بثلاث طلقات رصاص

"أنا ملالا".. سيرة مجتمعية وثقافية

"أنا ملالا".. سيرة مجتمعية وثقافية
  • 1024
ق.ث/ وكالات ق.ث/ وكالات
«لئن يأتيني جسدك وقد مزّقه الرصاص بشرف أهون عندي من أنْ يَرِدني نبأُ فِرارك من المعركة"، هذا بيت من الشعر البشتوني القديم، يبدو أنّ ملالا يوسفزاي بعد محاولة اغتيالها الفاشلة على يد طالبان في 9 أكتوبر 2012، وهي تستقل حافلة المدرسة (مدرسة مينغورا) للعودة إلى البيت مع صديقاتها، استدعته في ذهنها، وهي تقف بطفولتها ذات السادسة عشر ربيعا، أمام جمعية الأمم المتحدة للشّباب في نيويورك عام 2013، حضرها أكثر من 500 من قادة الشّباب من حوالي 85 دولة، لتخطب موجِّهة خطابها لقاتلها الذي لم ينلْ منها، ومن يقف خلفه.
‏لقد "اعتقدَ الإرهابيون أنهم سيغيِّرون أهدافي وسيوقفون طموحاتي، لكن لا شيء تغيّر في حياتي، لقد قتلوا الضعف والخوف واليأس في داخلي وولدت بدلا منها القوة والشجاعة"، وبعد مرور عامين على حادث الاغتيال، يأتي نبأ حصولها على جائزة نوبل (مناصفة مع الناشط الهندي كايلاش ساتيارثي) للسلام في الـ10 أكتوبر 2014، وعندما تتسلّم جائزة نوبل في ديسمبر المقبل، يمكنها أن تضيف؛ "ها أنا قد رسَّخْتُ قدمي، ولن أحيدَ عن الدربِ، فشكرًا لكم، لقد أوصلتموني إلي حيث لم أَحْلُم".
بالطبع هي الآن حديث العالم بعد هذا التتويج، وقد مدحتها منظمة "كيدز رايتس" الهولندية لحقوق الأطفال بعبارات بسيطة قائلة؛ إن ملالا "طفلة شجاعة وموهوبة.. خاطرت بحياتها من أجل الحصول على التعليم للبنات"، وأكّد رئيس لجنة نوبل؛ ثوربيورن ياغلاند، بعد إعلان حصولها على جائزة نوبل للسلام، أنّ "الأطفال يجب أن يذهبوا إلى المدرسة ولا يتمّ استغلالهم ماليا".
فبين ليلة وضحاها، صارت ابنة السابِعَة عَشر عاما أصغر مَن حصل على جائزة نوبل في تاريخ هذه الجائزة منذ 114 عاما، فمَن هي هذه الطفلة التي قامت بتحدِّي سلطة طالبان، عبر مدونة أطلقت عليها "جول مطاي" بتحريض من الصحفي عبد الحي كاركار، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية "بي. بي.سي"، نشرت فيها يومياتها ومشاهداتها في "وادي سوات" تحت حُكم طالبان، وهو ما دفعهم إلى محاولة تصفيتها قبل عامين؟، الجواب لخّصته في كلمتين وضعتهما على غلاف سيرتها الذاتية الصّادرة في العام الجاري 2014 في ترجمة عربيّة عن دار "سما" للنشر، والمركز الثقافيّ العربيّ بترجمة أنور الشَّامي، بعنوان أكثر تحديًّا للملا فضل الله الذي اتّخذَ مِن الراديو وسيلة لبث تهديداته، فهي أشبه برسالة لهؤلاء الذين مايزالون هناك قائلة؛ "أنا ملالا"، ثمّ كعنوان فرعي "ناضلْتُ دفاعًا عن التعليم وحاولَ الطالبان قَتْلِي"، بالاشتراك مع المحرِّرة الصحفيّة البريطانية كريستينا لامب.
تحكي الطفلة البشتونية مسترجعة مشاعر الفَزَع والرُّعب التي انتابتها بعد اقتحام حافلة المدرسة، لا لشيء إلاّ لمطالبتها بحق الفتيات في التعليم، وهتك أفعالهم بعد نزول قواتهم إلى منطقة سوات، نعمْ، تقولها بصوت عالٍ؛ "أنا ملالا" التي عادت مرّة ثانيّة إلى الحياة، أقوى مما كانت عليه من ذي قبل، وكأنّها حقّقت مغزى البيت الأخير الذي كان يردّده عليها في طفولتها أبوها، وهو للشاعر رحمة شاه سايل "يا ملالاي مايواند/ انهضي مرّة أخرى كي تُفْهِمي البشتون أغنية الشّرف / فكلماتك السّاحرة تجعل العَالم يدور / أتوسل إليك / انهضي مرة أخرى".   
يندرجُ هذا الكتاب تحت نوع السيرة الذاتية الغيرية، (وإن كان مرويا بالأنا) تَحْكِي فيه الطِّفلة عبر محرِّرتها (كريستينا لامب) ليس قصتها فقط بل قصة الأسرة وكفاح الأب من أجل التعليم، بل يمكن اعتبارها تتجاوزهما، لِتُقَدِّم صورةَ وطنٍ أنهكته الحروب (الروس، الحرب على الإرهاب) والصِّراعات الدينيّة والسياسية الداخلية (التنازع على السلطة) والخارجية (ضد طالبان).
هي إذن سيرة مجتمعيّة وثقافية للمكان الذي نشأت فيه بتأريخها للمكان قبل طالبان، وحكم الملك المؤسِّس ودور محمد على جناح الأب الروحي لهم في الانفصال عن الهند.
تَتطرّقُ السِّيرة في أحد جوانبها إلى النسيجِ الاجتماعيِّ في باكستان، وعن علاقة المسلمين بالمسيحيين، وحالة الانقسام بين المسلمين السُّنة والشيعة، وانقسام السُّنَّة إلى فرق متعددة تمثل الغالبية العظمى لسُّكَان باكستان، وعن نفوذ رجال الدين في عهد الجنرال ضياء الحق، والأزمات المتلاحقة التي مُنيت بها باكستان، كتكوين مجلس الملالي الذي صنعه برويز مُشرّف عام 2002؛ ليضمن لنفسه الاستمرار، وزلزال 2005 الذي منه دخلت الجماعات الإسلامية، مثل جماعة الدعوة وهي الجناح الإغاثي لمعسكر طيبة، في ظلّ غياب الحكومة، والأهم؛ الأثر السّلبي الذي تركه في تيتّم حوالي 11 ألف طفل، حسب الإحصاءات، والذين صاروا بلا آباء.
كما تتحدّث باستفاضة عن التقاليد البشتونيّة الخاصّة بالنساء، فلا أحاديث مع الرجال، ولا إظهار للوجه، وهو الأمرُ الذي جعل الكثيرين يصيحون بأنّها لا تنتمي إلى التقاليد البشتونيّة، وموقف هذه التقاليد مِمَّن تراود الرِّجال، فتتعامل معها بصَرامةٍ في حين أنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة للرجال، ومن هذه التقاليد أيضا تقاليد "سوارا" وبموجبها يمكن تقديم فتاة إلى قبيلة أخرى في سبيل حلِّ خصومة ثأرية، وكذا عدم الزّواج من أرملة دون إذن عائلتها، وعادات أخرى مثل أنّ البشتون لا ينسون ولا يُسامحون أبدا، وعدم قولهم كلمة ‘شكرا’ لأن الشُّكر وحده لا يكفي، فالإحسان لا يكافأ إلاّ بإحسان مثله، إضافة إلى الكرامة ورفض السّخرية وطقوس الزواج وغيرها، كما تحكي عن أساطير بشتونية مثل شالجواتي أوشاشاكا أو أبطال أسطوريين مثل شخصية مالالا سميتها، وما فعلته في الحرب ضد الاحتلال البريطاني، وكذا شجال اسم البطل الذي جعل الأب اسمه رمزا للمدرسة، ثم أطلقه على ابنه.
تتكوّن السيرة من خمسة أقسام تتوسط بين تمهيد وخاتمة، وفيها تتوّسع في رصد مظاهر الدمار الذي أحدثه وجود رجال طالبان في وادي سوات، ومجاهرتهم بالعداء للسلطة الكافرة والتفجيرات التي هزّت باكستان بجبالها وقراها وطرقها التي يمرُّ بها الجيش، وصولا إلى العاصمة إسلام أباد، والاغتيالات التي لاحقت السياسيين والمناوئين لحكمهم.
ثمّّ القسم الثالث بعنوان "ثلاث فتيات وثلاث طلقات" وتتحدّث فيه عن نشاطها ودعوتها إلى تعليم الفتيات، ومشاركتها في اللّقاءات وغيرها، وصولا إلى حادثة الاغتيال، ودور الجنرال كيالي في علاجها، ثم نقلها إلى بريطانيا لاستكمال العلاج بعد المضاعفات التي حدثت، وتتحدّث عن العلاج في بريطانيا، ومرحلة التأهيل بعد العلاج في برمنغهام.
أمّا الخاتمة، فهي معنونة برسالتها التي تضمّنتها الكلمة التي ألقتها في اجتماع الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بعنوان "طفل واحد وكتاب واحد وقلم واحد"، وهو بعد مرحلة الاستقرار في برمنغهام مع العائلة، وثمة شكر لمن وقف معها، وأخيرا كلمة موجزة عن صندوق ملالي الذي تأسّس لدعم الأطفال، بالإضافة إلى بعض الصور الشخصية لها في مراحلها المختلفة.
السِّيرة تقدّم عبر سردها لأحداث الماضي وتقاطعاتها مع الحاضر، الجواب عن "لماذا وجّهتْ لها ولزميلتيها الطلقات الثلاث؟"، الجواب كان يكمن في غياب التعليم الذي صرخ الأب من قبل بأنه أحدَ أسباب مشكلات باكستان، والتنديد بالصِّرَاعات السِّياسية والأيديولوجية التي كانت مهادا حقيقيا لنشأة حركات التطرف والتشدد الدينيّ، وانتقادها لنوعية التعليم الذي كانت تقدمه المدارس، وما أدخله الاستعمار مِن مناهج تقوم على مناصبة الآخر العداء.
كما تقدّم السيرة دَرسا في التحدي والإصرار على الوصول إلى الهدف، وهو الدرس الذي استقته الطفلة من حكاية التعتعة التي كان يُعاني مِنها الأب، وكيف استطاع أن يتغلب على سخرية أبيه الخطيب المفوه، فاشترك في مسابقة للخطابة ليتفوقَ على أقرانه البارعين في مفارقة ردّت إليه ثِقة والده فيه (ص 56 ). باختصار، إنها حكاية "تجعلكَ تؤمن بقوة صَوتِ الفرد من أجل إلهام التغيير في العالم"، كما ورد في موقع يوسفزاي تعليقا عليها.