قراءة في المنجز الروائي الجديد لحسن زويني
"أطياف الروح" في حضرة بونة
- 177
سميرة عوام
استضافت، أمس، المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية "بركات سليمان" بمدينة عنابة، يوماً أدبياً استثنائياً استعاد فيه الحرف هيبته، حيث التأم شمل النخبة المثقفة والمبدعين للاحتفاء بصدور العمل الروائي الجديد للكاتب حسن زويني، الذي اختار له عنواناً يفيض بالوجدانية والشفافية؛ "امرأة روحي".
ويأتي هذا اللقاء ليعيد الاعتبار للصالونات الأدبية الجادة، واللقاءات الفكرية الراقية، حيث تحوّلت ردهات المكتبة وقاعة محاضراتها إلى فضاء معرفي حيوي، يتجاوز في طرحه القشرة الخارجية للنصوص، غائصاً في كوامن التجربة الإنسانية العميقة التي صاغها الكاتب بحرفية عالية، ورؤية جمالية ثاقبة. وانطلقت الفعالية التي نشطتها باقتدار وحنكة الأستاذة زهرة بولدروع، بتقديم قراءة تحليلية معمقة، كشفت خلالها عن البنى السردية المتماسكة التي اعتمدها زويني في بناء عوالمه الروائية، حيث تتجلى في ثنايا العمل تلك العلاقة الجدلية الأزلية بين الذات والآخر، وبين الواقع الملموس والمتخيل المأمول.
إن الغوص في تفاصيل هذا المنجز يكشف لنا عن رغبة الكاتب الجامحة في تطويع اللغة، لتكون مرآة صافية للروح، فالبطلة في هذا السياق ليست مجرّد شخصية ورقية عابرة، بل هي رمز شمولي يختزل رحلة البحث الدائم عن السكينة والجمال وسط ضجيج الحياة المعاصرة. وهي محاولة أدبية واعية لترميم الانكسارات الداخلية من خلال استحضار طيف تلك الملهمة التي تسكن الذاكرة، وتغذي الوجدان بفيض من الأمل والمقاومة. واتّسمت الجلسة بحوارات فكرية متينة، ونقاشات اتّسمت بالصراحة والموضوعية، ركّزت في مجملها على فلسفة العنوان، والارتباط الوثيق بين تجليات الروح وتوقّعات الجسد في السرد الجزائري المعاصر.
وقد برز خلال النقاش مدى قدرة الكاتب على توظيف الرمزية والإسقاطات الفنية للإحالة على قضايا اجتماعية وإنسانية ووجودية كبرى، تشغل بال المثقف المعاصر. ولم يكن الاحتفاء مجرّد حفل تقديم روتيني لكتاب جديد، بل كان استنطاقاً حقيقياً للواقع من خلال عدسة الأدب الصادق، حيث تمازجت الرؤى بين الجمهور المتعطش للمعرفة وبين الكاتب؛ لتشكل، في مجملها، لوحة ثقافية تليق بعراقة مدينة عنابة وتاريخها الحافل بالإبداع.
وانتهى هذا المحفل بتوقيع العمل الذي يُعدّ إضافة نوعية ورصينة للمكتبة الوطنية، مؤكّداً أنّ الكلمة المخلصة ستظل هي الملاذ الأخير لاستعادة إنسانيتنا وكرامتنا في وجه التحوّلات المتسارعة. وشكّل هذا اللقاء فرصة سانحة لترسيخ تقاليد المقروئية، وفتح آفاق جديدة للتواصل بين المبدع وجمهوره، ما يعزّز من مكانة الفعل الثقافي كحجر زاوية في بناء الوعي المجتمعي، ويؤكّد أنّ المكتبة ستظل دائماً ذلك الحصن المنيع الذي يحمي الذاكرة الأدبية، ويحتفي بالعقل في أسمى تجلياته.