“تناغم الأضواء” برواق “عائشة حداد”
أشعة عابرة تمنح الحياة للجماد
- 237
مريم. ن
تحتفل الرسامة حورية آيت قاسي، بمعرضها الفردي الأول، بعنوان “تناغم الأضواء”، المقام إلى غاية 15 سبتمبر الجاري برواق “عائشة حداد”، بعد أن أعدت ما تقدمه للجمهور الزائر، متفننة في عرض الطبيعة والتراث الجزائري بلمسة كلاسيكية، تعزز مظاهر الحسن والجمال.
تتميز هذه الفنانة بهدوئها، وبكلامها الموزون، الذي يرسخ ما جنته عبر رحلتها الطويلة، خاصة في مجال التعليم، فهي ارتبطت دوما بالنظام وبالصرامة، لذلك لا مكان عندها للفوضى والعبثية، حتى في مجال الفن.
حنين لموهبة الرسم
التقتها “المساء” في معرضها، لتفتح معها جوانب من مسيرتها الفنية، حيث قالت: “كنت دوما مولعة بالفن والرسم، لكنني قررت التفرغ الكامل لعملي في قطاع التعليم، عبر بعض ثانويات العاصمة، خلال 32 سنة من الجهد والكد والاحتكاك بالأساتذة والتلاميذ، لكن الحنين للرسم استيقظ في وجداني، بعد خروجي للتقاعد، واتخذت قراري بدخول هذا العالم الجميل، وانطلقت بكل ما أملكه من جهد وموهبة، كما كنت كلما أحسست بالضجر والملل، حملت ريشتي التي أحبها، لأسخرها لإبداعاتي واكتشافاتي عبر عوالم مختلفة، فأنا بطبعي، فضولية إلى أبعد حد ممكن”.
قالت الفنانة، إنها خاضت عدة تجارب في الفن وتكونت فيها، وكان آخر ما تعاطته، فن السيراميك، مضيفة “أنا جد سعيدة، لأنني حاليا أتكون عند الفنان الكبير أجاووت، في ورشته بمنطقة الشراقة، علما أنني قبل ذلك، تكونت في الرسم على الزجاج والخشب والقماش، وفي كل مرة أختار فنانين وأساتذة محترفين، لأستفيد منهم”، كما أشارت إلى عدم اهتمامها بالفن التجريدي، الذي لا تنوي ممارسته مستقبلا، رغم عرضها لوحة تشبه التجريدي في معرضها هذا، لكنها ردت بالقول “لا، هذا ليس تجريدي، بل مزيج من الألوان”.
عن معرضها، أشارت إلى أنه يتضمن 33 لوحة، أغلبها يعكس مناظر الطبيعة في الجزائر القارة، منها البحر والجبال والمروج وكذا الصحراء، قائلة “بذلك أنا أثمن طبيعة بلادي الخلابة، كما أتمنى يوما، أن أرسم الطبيعة لبلدان أخرى، قد أزورها”.
عن الألوان التي استخدمتها، أكدت السيدة آيت قاسي، أنها تميل للونين الأخضر والأزرق، معلقة وهي تضحك “بدونهما لا أكون سعيدة”، وهنا أشارت إلى الألوان التي تحس من خلالها بالكآبة، وعلى رأسها الأسود، معتبرة أن الألوان هي الحياة.
قدمت الفنانة في معرضها أيضا، بورتريهات لسيدات قرويات، ولإفريقيات بثوبهن المزركش، يحملن المتاع على رؤوسهن، وفي هذا الاختصاص، أي رسم البورتريهات، أشارت الفنانة، إلى أنها تميل له، لكنها لم تذهب بعيدا في تعاطيه، والسبب ـ حسبها ـ أن الإقبال عليه عندنا محتشم، لاعتبارات دينية واجتماعية.
خلال جولتها مع “المساء”، عبر المعرض، أكدت الفنانة مدى ارتباطها بالطبيعة، من ذلك الزهور والورود التي تعشقها كثيرا، لذلك تتفنن في رسمها، وأحيانا تقديمها في مزهريات بتقنيات متعددة.
ممارسة الفن تتطلب إمكانيات
في سياق حديثها عن الفن، قالت الفنانة آيت قاسي، إنها انطلقت في هذا المشوار بكل طاقتها، وبحب أيضا، كي تملأ فراغ تقاعدها من العمل، لكنها اكتشفت في المقابل، أن ممارسة هذا الفن يتطلب إمكانيات مادية مكلفة، خاصة ما تعلق بأدوات الرسم، ولو لم تكن تملك دخلا من تقاعدها، لتوقفت عن الرسم، لذلك اعتبرت أن الكثير من المواهب تضيع مع الأيام وتتخلى عن هذا الفن، لقلة حيلتها وإمكانياتها. عن مضمون معرضها المتمثل في “تناغم الأضواء”، أوضحت الفنانة دور الضوء في إبراز الأشكال والمشاهد، لذلك فهي تلتقط طيف الضوء العابر، خلال مروره على شيء ما في لقطة طبيعية تتكرر إذ يضرب حينها الضوء المخلوقات، ما يعكس نور الكون والروح.
الضوء العابر يحرك الجماد
يعطي الضوء للوحة روحا وحركة، لتكون كائنا حيا يتحرك ضمن فضائه الجميل المعبق بالندى، فمن أجمل اللوحات المعروضة، تلك التي تصور الورود والباقات المتناسقة، وقد أشارت الفنانة، إلى استعمالها تقنية البروز، التي تغير قوام اللوحة وتسحبها أكثر نحو الواقعية والجمال الملموس.
تحدثت الفنانة أيضا، عن استعمالها لأوراق الذهب التي توحي بأشعة الشمس الدافئة، وبخيوطها الذهبية اللامعة، أما استعمال أوراق المرايا العاكسة للألوان، فهي تزيد من سحر المشهد، وتزيد اللوحة جمالا وواقعية، بلمسة أنثوية مرهفة، تتجلى أكثر في لوحات الزهور والنباتات، وأيضا في لوحات الزجاج المعشق (الفيترال).
أشارت الفنانة أيضا، إلى إحدى لوحاتها (كل لوحات المعرض ليس بها عناوين) تعكس البيئة الصحراوية، مستعملة فيها الألوان الترابية، منها البني والبرتقالي مع لمسة من الحمرة، وإضافة لبروز القوافل والواحات، يبدو في لوحات مجاورة إبداع الخالق في غروب الشمس خلف الكثبان، بأنوار هادئة.
أكبر لوحة في المعرض حجما، هي لوحة منظر طبيعي، تمتد فيه بحيرة زرقاء، تصطف على جوانبها الأشجار الباسقة، وفي الخلفية البعيدة تتراءى سلاسل الجبال المكسوة بالثلوج، ما جعل الجمهور يقف عندها، لينتعش ويتخلص من حرارة الجو خارج المعرض، وسرعان ما يتحسس رقرقة المياه العذبة، وتمايل شجر الصفصاف والصنوبر وغيرها، ليرتاح مع هذا التباين اللوني في لوحة واحدة شاملة.