وفق ما أعلنت الأكاديمية السويدية في ستوكهولم
أساطير اليونان تتوِّج الكندية آن كارسون بنوبل
- 203
ق. ث
فازت الشاعرة والكاتبة والمترجمة الكندية آن كارسون، بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، وفق ما أعلنت الأكاديمية السويدية في ستوكهولم، معتبرة في بيانها أنّ تتويج الكاتبة جاء "عن منجزها الأدبي الجريء، والمبتكر، الذي ابتكر، في حوار مرح مع التقليد الكلاسيكي، أشكالاً جديدة للأدب المعاصر".
وُلدت آن كارسون في تورونتو عام 1950. ولم يكن الطريق إلى الأدب بالنسبة إليها، منفصلاً عن شغف مبكر باللغات القديمة. فقد تعلّمت اليونانية القديمة بمساعدة مدرّس للاتينية، في المدرسة الثانوية، قبل أن تتخصّص في الأدب الكلاسيكي بجامعة تورونتو، حيث حصلت على البكالوريوس، والماجستير والدكتوراه. ومنذ ذلك الوقت ظلّ العالِم اليوناني القديم بلغته وأساطيره وشعرائه ومآسيه، أحد المنابع الأساسية في مشروعها الأدبي.
لكن كارسون لم تتعامل مع التراث الكلاسيكي بوصفه متحفاً مغلقاً، بل جعلته مادة حية، تعيد تشكيلها وفق أسئلة الإنسان المعاصر. وفي أعمالها تتجاور القصيدة، والمقالة، والترجمة، والسرد، والمسرح، والنص الأكاديمي، حتى يصعب وضع تجربتها داخل جنس أدبي واحد. وهذا التداخل بين الأشكال هو أحد أبرز ملامح كتابتها، التي تجمع بين الدقة الأكاديمية، والخيال الشعري، والأسئلة الفلسفية.
وبدأ حضورها الأدبي اللافت مع كتاب “ Eros the Bittersweet “ الصادر عام 1986. وهو عمل يجمع البحث الأدبي بالتأمل في الحب والرغبة. وينطلق من الأدب اليوناني القديم لاستكشاف طبيعة الإيروس بوصفه تجربة تقوم على المسافة، والنقص، والتوق. ومنذ هذا الكتاب برزت طريقتها الخاصة في مزج الدراسة الكلاسيكية بالكتابة الإبداعية.
وفي عام 1998 نشرت “ Autobiography of Red “ . وهي رواية شعرية تستعيد أسطورة جيريون وهيراكليس من الأدب اليوناني، لكنها تنقلها إلى عالم حديث. يتحول جيريون الوحش الأحمر المجنح في الأسطورة، إلى فتى حساس يعيش تجربة الحب، والفقدان، والرغبة. ويكشف العمل بوضوح قدرة كارسون على تحويل الأسطورة القديمة إلى مادة معاصرة تتناول الهوية، والحب، والجسد والهشاشة.
وفي “ The Beauty of the Husband “ الصادر عام 2001، تواصل كارسون تفكيك الحدود بين الشعر والسرد والنقد، مقدمة عملاً عن الحب الزوجي، والرغبة، والانفصال، في صيغة أطلقت عليها “ مقالة تخييلية في 29 تانغو “. وقد نال الكتاب جائزة ت. س. إليوت للشعر. كما رسخت مجموعات مثل “ Men in the Off Hours “ و" Decreation “ ، مكانتها ككاتبة لا تستقر طويلاً داخل شكل أدبي محدد.
ولا تنفصل شاعريتها عن عملها مترجمةً للأدب اليوناني؛ فقد ترجمت أعمالاً لسافو ويوربيديس وسوفوكليس. ومن أبرز مشاريعها “ If Not، Winter: Fragments of Sappho “ ،" An Oresteia “، التي جمعت فيها نصوصاً مرتبطة بثلاثة من كبار شعراء المأساة اليونانية. وفي ترجماتها لا تسعى إلى إعادة النصوص القديمة كما هي فقط، بل تدخل معها في حوار لغوي وإبداعي، يجعلها قابلة للقراءة من منظور معاصر.
وتواصل كارسون هذا المشروع التجريبي في كتب مثل “ Red Doc “ و “Float “ ، وصولاً إلى “ Wrong Norma “ الصادر عام 2024، والذي يضم نصوصاً تواصل اللعب على الحدود بين الشعر، والنثر، والتأمل والسرد. وقد حصلت خلال مسيرتها على جوائز ومنح أدبية مهمة، بينها جائزة غريفين للشعر، وجائزة ت. س. إليوت، ومنحة ماك آرثر المعروفة بـ"منحة العباقرة”.
وتوّجت الأكاديمية السويدية هذا المسار بمنح آن كارسون، جائزة نوبل للآداب؛ تقديراً لأعمالها الجريئة والمبتكرة التي تدخل في حوار خلاق مع التراث الكلاسيكي، وتبتكر أشكالاً جديدة للأدب المعاصر. وهكذا جاءت الجائزة اعترافاً بمشروع أدبي، جعل من الأسطورة القديمة واللغة والترجمة والحب والفقدان والذاكرة، موادَّ متجددة لإعادة اختراع الشعر نفسه.