في ختام المهرجان المسرحي

أرض هيبون تعانق الشغف النسوي

أرض هيبون تعانق الشغف النسوي
  • 151
سميرة عوام سميرة عوام

تألّقت خشبة التاريخ وساحة الفوروم بالموقع الأثري الخالد هيبون بمدينة عنابة، ليلة أوّل أمس، لتعلن اختتام الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، بعدما اختصرت ستة أيام كاملة من العروض والإبداع، عراقة التاريخ، وسحر أبي الفنون، لتصنع ملحمة ثقافية وفنية استثنائية.

وعرف حفل الاختتام حضورًا قويًّا للجمهور العنّابي الشغوف، الذي استمتع سابقًا بالأنشطة المسرحية المتنوعة، التي جسّدت ثراء التجربة الإبداعية النسوية في الجزائر. ورافقت الأعمالَ الفنية جلساتٌ ومداخلات أكاديمية يومية، أثرى أبعادها نخبة من الدكاترة والأساتذة والمخرجين المختصين، الذين فتحوا آفاقًا واسعة للنقد، والمناقشة وتبادل الأفكار.

كما خصّصت التظاهرة مساحة للاحتفاء بالمشاريع الواعدة لحاملات الفكر والخشبة؛ ما جعل هذه الدورة حاضنة حقيقية للطاقات الشبابية. ولم تقتصر أبعاد هذا الحدث على الإطار المحلي، بل فتح آفاقًا للتلاقي والتبادل الثقافي الدولي بحضور رئيسات جمعيات وضيوف شرف من دول مختلفة، مثل كوت ديفوار وبلجيكا (بروكسل)، إلى جانب رئيسة جمعية اليونسكو للشباب; والوفود المرافقة لهن. وشكّل الحفل فرصة سانحة لتبادل المعارف والخبرات، إلى جانب تدشين إصدار خاص من كتاب "مسرحهن" ، ومناقشة محاوره الفكرية، التي تسلط الضوء على واقع هذا الفن، ومستقبله.

ولم يكن المسرح وحده سيد الليلة، بل تجسّدت الأصالة العنّابية والتراث الجزائري في أبهى صورهما؛ إذ أضفت الحاضرات ورئيسات الجمعيات المشاركة ألقًا لافتًا بإطلالاتهن التقليدية العذبة، فتزاوجت قندورة الفتلة العنّابية والقرنفلة مع روح بونة التي استنطقت التاريخ لتصنع سيمفونية بصرية فريدة. وزاد السهرةَ جمالًا التألقُ الاستثنائي لبعض نساء الخشبة بأزيائهن التقليدية المحبوبة لدى نساء الجزائر، مجسّدات بكل اعتزاز شعار اللقاء "هيبونيا العنّابية".

كما رافقت الأمسيةَ نغمات شجية عزفتها "أوركسترا الفيلهارموني لبونة – الأوتار الذهبية" . وهي فرقة نسائية يجمع عضواتها الشغف وجمال الصوت والتميّز الموسيقي، فصنعت انسجامًا، أخذ الحضور في رحلة عبر الزمن الجميل، ربطت أمجاد الماضي بأصالة الحاضر، وسط أجواء أخّاذة، على خلفية الأعمدة الرومانية المضاءة بنور القمر. وتُوّج الحفل بوقفة وفاء، وتكريم لعدد من القامات والضيوف البارزين، الذين أثروا الدورة بحضورهم، وخبراتهم، وفي مقدمتهم الممثلة الإيفوارية دلفين، والمخرجة القديرة سميرة حاج جيلاني، ورئيسة جمعية المرأة الجزائرية في الخارج، فايزة عثماني.

وفي كلمتها الأخيرة، ثمّنت محافظة المهرجان السيدة صليحة برقوق، جهود مخرجات هذه الطبعة الناجحة بامتياز، مؤكّدة النجاح الباهر الذي تحقّق في مجالات التكوين، والتأطير الأكاديمي، والورشات الفنية، ومشدّدة على إعطاء المكانة المستحقة للمسرح النسوي، الذي أثبت قدرته العالية على التعبير، والصمود، وترك بصمة فارقة في المشهد الثقافي الوطني. وهكذا اكتمل المشهد الإبداعي ليبقى الأثر على جدران هيبون العريقة، معلنًا بداية أمل جديد لطبعات قادمة، تعلي راية الفن، والجمال.

المسرح الروماني.. كنز أثري ينتظر التجديد والتأهيل

وبعد هذا النجاح الذي أعطى سهرات المهرجان وحفل الاختتام نفَسًا إبداعيًّا جديدًا لموقع هيبون، اقترح العديد من المهتمين بالفن والمسرح بعنابة، استغلال المسرح الروماني الأثري الواقع خلف الكنيسة على طريق بوحمرة القديمة، داعين إلى إدراجه ضمن أولويات التأهيل، والتنمية الثقافية بالولاية. ويُعدّ هذا المسرح الروماني صرحًا تاريخيًّا استثنائيًّا؛ إذ يمتلك من المقوّمات الجمالية والمعمارية ما يجعله واحدًا من أروع المسارح الرومانية في إفريقيا، وأهمّها. ورغم هذه القيمة الأثرية العالية فقد خصّصت الجهات المعنية غلافًا ماليًّا للموقع؛ لتهيئته، وتحويله إلى منارة ثقافية.

ويرى المبدعون والمهتمون بالتراث أن ردّ الاعتبار لهذا المعلم التاريخي والثقافي ينبغي أن يعقبه برنامج ترميم متكامل، يعيد للمسرح رونقه الأثري، مع الحفاظ على قيمته التاريخية. كما يسهم تجهيز المدرجات والأرضية في تحويله إلى مسرح ممتاز في الهواء الطلق؛ لاحتضان المهرجانات القادمة، والعروض المسرحية والموسيقية؛ ما يوفّر للهواة والفنانين فضاءً تاريخيًّا ساحرًا. وإضافة إلى ذلك، فإنّ إعادة إدراج الموقع ضمن المسارات السياحية للمدينة، ستجعله أيقونة معمارية وثقافية، تجذب الزوار والباحثين، وتبرز العمق الحضاري لمدينة عنابة. إنّ العناية بالمسرح الروماني بعنابة ليست مجرد خطوة لتجميل الموقع، بل هي استثمار حيوي في الذاكرة والتراث. ويحذو أبناءَ عنابة الأمل في أن تجد هذه المقترحات طريقها إلى التنفيذ، ليتحول هذا الصرح الأثري إلى مركز إشعاع فني وسياحي في القريب العاجل.


تعد نبض المجتمع العنابي بأفراحه وأهازيجه

"البنقة".. فن فلكلوري عريق

​تزخر مدينة عنابة، بموروث اجتماعي وثقافي شعبي غني ومتنوع، يترجم روح التلاحم والتضامن بين أبناء المنطقة، ويجمعهم حول أصالتهم العريقة. وتعتبر "البنقة"، أو ما يعرف شعبيا بـ«الوصفان"، واحدة من أبرز وأعرق الفنون التراثية المتوارثة منذ القدم، في هذه المدينة العريقة، حيث ترسخت داخل المجتمع العنابي، لتصبح ركنا أساسيا في إحيائه للمناسبات والأعراس. ومن هنا، تحولت "البنقة" إلى أيقونة اجتماعية بارزة لا غنى عنها، يفتتح بها أكبر الاحتفالات والتظاهرات الكبرى، وتستقبل بها الضيوف والوفود الرسمية، في أجواء مفعمة بالبهجة والترحاب والتكافل المجتمعي.

​جذور تاريخية وامتداد إفريقي

​تعود الجذور الأولى لفن "البنقة" إلى إفريقيا السوداء، وتحديدا إلى إفريقيا الوسطى، ومنطقة "السودان القديم". وقد انتقلت هذه الموسيقى والطقوس الفريدة، تاريخيا إلى شمال إفريقيا والجزائر، خاصة عبر أسواق التجارة القديمة، التي عرفت تبادل البشر والسلع، كالملح والذهب. ومع مرور الزمن ودخول الإسلام، اصطبغ هذا الفن بصفة دينية، واجتمعت حوله العائلات، ليميل أكثر نحو الطرق الصوفية والتقاليد الاجتماعية، ويتحول إلى ممارسات تكرس معاني التآزر والتلاحم بين أفراد المجتمع العنابي، متشابهاً في بعض أبعاده الروحية مع فنون أخرى في الجزائر، مثل "الديوان" أو "القناوة"، مع الحفاظ على طابعه العنابي المميز.

​مظاهر للتضامن والتكافل الاجتماعي

​تتميز "البنقة" العنابية، بطقوسها الاجتماعية الفريدة، التي تصنع الحدث في الأحياء والشوارع العتيقة؛ فهي ليست مجرد استعراض موسيقي، بل احتفالية مجتمعية متكاملة، توطد روابط الجيرة والمحبة. ففي مدينة عنابة، ترتبط "البنقة" بمواعيد سنوية ومناسبات دينية واجتماعية بارزة، مثل "المولودية" التي تقام فيها الحضرة، احتفاء بالمولد النبوي الشريف، و«الشعبانية" التي تنظم في شهر شعبان، قبيل حلول شهر رمضان المعظم.

​وتبدأ تفاصيل هذه الطقوس في الصباح الباكر، بقرع الطبلة و«القراقبو"، يرافقها ذبح ثور أو عجل مزين بقطع من القماش ذات الألوان الزاهية، في مظاهرة تفاعلية يشارك فيها أهالي الحي. وكانوا يطوفون بهذا الموكب في أزقة المدينة القديمة، حيث يقدم أهالي المدينة كل ما يملكون من مال أو صابون أو سميد، حتى الزبدة، السمن و«الغرس"، لتتولى "العريفة" جمعها وإطلاق زغاريد الفرح. تلي ذلك، إقامة وليمة جماعية كبرى، تضم أطباقا تقليدية عريقة، تعكس كرم العائلات العنابية، وكرم ضيافتها، مثل؛ الكسكسي، "الشخشوخة"، "الجاري" و«العصيدة" وكذا الملوخية.

​حراسة الذاكرة وصون الموروث المجتمعي

​تلعب الفرق الفلكلورية دورا محوريا في الحفاظ على هذا الإرث العريق، واستمراريته عبر الأجيال داخل المجتمع العنابي. وتعد فرقة "البنقة" بقيادة الشيخ قدور عزارنية (عبد القادر عزارنية)، رئيس جمعية "البنقة للتراث"، واحدة من أشهر وأبرز الفرق الموسيقية الفلكلورية والتراثية في مدينة عنابة، وفي الشرق الجزائري ككل. تحرص هذه الفرقة، برفقة الوجوه الفنية البارزة، على تقديم عروض قوية، في افتتاح المهرجانات الثقافية الوطنية والمحلية الكبرى. وبذلك تظل "البنقة" رمزا اجتماعيا وثقافيا خالدا، يفتتح به كبرى الاحتفالات وتستقبل به أرقى الوفود، محافظة بذلك على ذاكرة الأجيال وروح التضامن والأصالة، التي تميز المجتمع العنابي العريق. 


مختار حسين يضيء يوم الطفل 

أكد الممثل والمكون المسرحي مختار حسين، صاحب المشروع الثقافي "حلم" ومنسق اليوم المخصص للطفل، أن الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي بعنابة، اكتست طابعًا استثنائيًا، بالنظر إلى اللفتة النوعية، التي أفردتها إدارة المهرجان للجمهور الناشئ، بتخصيص يوم كامل لمسرح الطفل.

وأوضح حسين، أن هذه المبادرة أتاحت مساحة إبداعية غير مسبوقة، لاستثمار الطاقات الفنية للبراعم، وربطهم بروح أبي الفنون، في أجواء تفاعلية ملهمة. وقد شمل هذا اليوم المخصص، فعاليات وورشات وعروضًا تجاوب معها الأطفال، وشكلت محطة مركزية أضفت ألقًا خاصًا على المهرجان. وأشار إلى أن مشروع "حلم" يستند بالأساس، إلى جعل الفن وسيلة لتنمية الفكر والوعي لدى الأطفال والشباب، وتمكينهم من اكتشاف ذواتهم عبر الخشبة. ولم يغفل صاحب مشروع "حلم"، التأكيد على أن الانفتاح على مسرح الطفل داخل تظاهرة وطنية، تُعنى بالإبداع النسوي، يمثل خطوة واعية ومستقبلية، لأنه يساهم في بناء جيل مدرك لقيم الفن والجمال، ويجعل من المهرجان حاضنة متكاملة، تتوارث فيها الأجيال شغف المسرح ورسالته الإنسانية.


لوحة وتكريم في ختام المهرجان

حين يلتقي التشكيل بالمسرح

سلّم الفنان التشكيلي ابن مدينة عنابة، محمد علي وشواش، لوحة فنية راقية موجّهة للسيدة ياسمين بريكي، استلمتها نيابة عنها السيدة كريمة عيد، في لحظة إبداعية كشفت عن عمق التبادل الثقافي وجمالية الفن التشكيلي بمدينة بونة.

وجاءت هذه اللفتة لتجسّد جسور التواصل بين أبناء المدينة ومبدعيها، إذ عبّرت اللوحة عن اللمسة المتميّزة للفنان وشواش ورؤيته الجمالية الفاحصة التي تعكس عراقة الفن العنّابي. وفي التفاتة طيّبة ومستحقة من إدارة المهرجان، قامت محافظة المهرجان بدورها بتكريم الفنان محمد علي وشواش اعترافًا ببصمته الفنية الجمالية ومشاركته القيّمة التي أثرت أجواء التظاهرة، لتكتمل بذلك لوحة التقدير المتبادل بين الخشبة والريشة في مشهد ثقافي راقٍ.


شنيقي يوجّه معالم المبدعات 

عرف منتدى "حاملات المشاريع"، ضمن فعاليات الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي بعنابة، حضورًا نقديًّا للبروفيسور والأكاديمي أحمد شنيقي، الذي أضفى على المنتدى أبعادًا بيداغوجية وفكرية عميقة من خلال جلسة تفاعلية مكرّسة لمرافقة الرؤى الفنية الواعدة التي قدّمتها المبدعات الشابات.

ولم تكن مداخلة البروفيسور شنيقي مجرّد قراءة انطباعية عابرة، بل كانت بمثابة مسبار نقدي حقيقي فكّك البنية الدراماتورجية للمشاريع المقدّمة، مقدّمًا تشخيصًا منهجيًّا دقيقًا يرمي إلى صقل أدوات الكتابة وتطوير الأدوات الإخراجية. وشدّد في مرافقته المباشرة على ضرورة التعمّق في فهم الفضاء الركحي والاستغلال الذكي لحركية الممثل، مؤكّدًا أنّ المسرح الجاد يقتضي تجاوز السطحية والقوالب النمطية الجاهزة، لبناء رؤية فكرية معاصرة تنبض بأسئلة المرأة والمجتمع. وتميّزت الأمسية بأجواء من الحوار والثراء المعرفي اللافت، إذ وجدت المخرجات والكاتبات المبتدئات في توجيهات الأستاذ شنيقي توجّهًا نقديًّا فعّالًا أضاء مسارهن، ومنحهن شحنة من الجرأة والثقة للانتقال بأفكارهن بثبات نحو تجسيد سينوغرافي متكامل على خشبة المسرح.


من التتويج إلى التوصيات

لجنة التحكيم ترسم طريق حاملات المشاريع

توَّجت لجنة تحكيم مسابقة "حاملات المشاريع" في المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي في دورته الثامنة، أوّل أمس، ثلةً من المبدعات الواعدات، لتسدل الستار على محطة فنية تميّزت بالتنافس، والرؤى المبتكرة. وضمّت لجنة التحكيم قامات مسرحية بارزة، هنّ فوزية آية الحاج، وزبيدة معمرية، وعايدة قشود، اللاتي أشرفن على مرافقة المشاريع، وتقييمها وفق معايير فنية دقيقة.

أسفرت مداولات اللجنة عن اختتام المسابقة بتتويج مشروع "البوقالة" للمخرجة وسيلة عريج، ومشروع "الخبيث" للمخرجة مريم علاق. وقد نال العملان الدعم والمرافقة الفنية من جمعية «Cercle des Lumières» بقيادة كريمة عيد المكلّفة بالعلاقات الخارجية والتمويل. كما توّجت اللجنة المخرجة سماح صميدة عن مشروع "قراءة"، والمخرجة سارة مرنيش عن مشروعها "إمبراطورات السطح" ؛ تنويهًا بتميّز طرحهما، وتمكُّنهما الفني الظاهر في الرؤية الإخراجية. وفي تقريرها الميداني بعد المرافقة، أشادت لجنة التحكيم بالشغف الكبير، والتزام حاملات المشاريع، مثمّنة الجرأة، والمبادرة، والتمكّن المسرحي، والاستغلال الفعّال للفضاء المسرحي رغم محدودية الإمكانيات. 

وفي المقابل، وقفت اللجنة عند نقاط جوهرية تتطلّب التطوير، إذ ركّزت على أهمية التكوين، وتفادي تعدّد المهام بين الإخراج والكتابة والسينوغرافيا، لضمان جودة النص، واللعبة المسرحية. كما دعت إلى التنوع، وعدم الانحصار في قوالب معيّنة كـ«المونودراما"، مع التأكيد على ضرورة احترام خصوصية مسرح الطفل باختيار مواضيع مبتكرة، والابتعاد عن الطرح الكلاسيكي والنمطية، والاعتماد على الذكاء في توظيف الوسائل المتاحة.

كما رفعت اللجنة نفسها جملة من التوصيات، جاء في مقدّمتها تثمين كافة المشاريع المشاركة، وتشجيع الإبداع والتعبير الدرامي الجريء لدى النساء. وأكّدت التوصيات ضرورة دعم الطاقات الشبابية لاكتشاف صبغتهن الدرامية الخاصة، داعيةً إلى توسيع رقعة المهرجان، ليشمل إقامة دورات تدريبية، واحتضان مشاريع جديدة في مختلف ربوع الوطن.