حين تنتصر الذاكرة على النسيان

"أحمد باي" يفتتح ملحمة سينمائية من قلب قسنطينة

"أحمد باي" يفتتح ملحمة سينمائية من قلب قسنطينة
وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة
  • 271
ح. شبيلة ح. شبيلة

تحوّلت مدينة قسنطينة، مساء أول أمس، إلى فضاء مفتوح على الذاكرة مع العرض الشرفي الأوّل للفيلم التاريخي الطويل "أحمد باي" بقاعة العروض الكبرى أحمد باي الكبرى (الزينيت)، وسط حضور رسمي وثقافي لافت، تقدّمته وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، وشخصيات فنية وثقافية، وصنّاع العمل.

الحدث الفني المميّز لم يكن مجرّد عرض سينمائي، بل بدا كاستعادة رمزية لمرحلة مفصلية سبقت سقوط الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي، حيث أعاد الشريط إحياء سيرة آخر بايات قسنطينة، في معالجة درامية مزجت بين البعد السياسي والإنساني لشخصية طبعت تاريخ المدينة والبلاد.

الفيلم السينمائي الذي يندرج ضمن ما يُعرف بـ "سينما الذاكرة"، يقارب سيرة الحاج أحمد باي بوصفه قائدا صمد في وجه الحملات العسكرية الفرنسية، وفي الوقت نفسه رجل دولة واجه تعقيدات الداخل وتصدّعات المشهد السياسي آنذاك. لم يكتف بسرد الوقائع فقط، بل توغّل في أعماق الشخصية، مستكشفا هواجسها، وصراعاتها، وخياراتها المصيرية في زمن التحوّلات الكبرى، حيث حرص صنّاع الفيلم على إعادة تشكيل المناخ التاريخي بدقة، من خلال ديكورات وأزياء تحاكي الطابع العمراني والثقافي لقسنطينة خلال العهد العثماني، في اشتغال بصري يعكس عراقة المدينة، وثراءها الحضاري قبل الاحتلال.

العمل الذي أنتجته سميرة حاج جيلالي وأخرجه الإيراني جمال شورجة عن سيناريو رابح ظريف في تجربة تعاون فني جمعت كفاءات جزائرية وأجنبية سواء في الجانب التقني أو الموسيقي، شارك فيه فنانون وفنانات، حيث أدى دور "أحمد باي" الفنان محمد الطاهر زاوي، مجسّدا شخصية قائد يحمل همّ السيادة والدفاع عن الأرض في زمن الانكسارات، فيما أطلّ الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو في دور الداي حسن، إلى جانب كوكبة من الفنانين الجزائريين، من بينهم عبد الباسط بن خليفة، وجمال عوان، وعبد الحق بن معروف، ويوسفي توفيق، وعبد الكريم بوقطوف، وعبد الحميد بن مصباح، إلى جانب خديجة مزيني، وإيمان نوال، والراحلة ريم غزالي، حيث منح حضور هذه الأسماء العمل بعدا تمثيليا متنوّعا، وجعل من الفيلم مشروعا فنيا طموحا، يسعى إلى إعادة قراءة صفحة من تاريخ الجزائر بلغة الصورة والدراما. كما عزّزت الموسيقى التصويرية الملحمية التي وضعها المؤلف التركي فاهير أتاكولو بمشاركة أوركسترا تضمّ أكثر من مائة عازف، البعد الدرامي للأحداث، فبدت وكأنّها امتداد صوتي لنبض المعارك، والتوترات السياسية التي يعالجها الفيلم.

الهتاف باسم قسنطينة

منذ اللحظات الأولى بدا واضحا أنّ العرض تجاوز طابعه السينمائي ليصبح حدثا وجدانيا بامتياز. فكلّما ذُكر اسم قسنطينة في الكلمات الافتتاحية، دوى التصفيق، وتعالت الهتافات داخل القاعة، في مشهد عكس تعلق الحاضرين بمدينة الجسور، واعتزازهم بتاريخها. ومع انطفاء الأنوار وبدء العرض خيّم صمت مشوب بالترقب، سرعان ما تحوّل، في أكثر من مشهد، إلى تفاعل واضح مع مجريات الفيلم. وقد لقي العمل، فور انتهائه، إعجابا وثناء كبيرين من الجمهور، الذي حيّا طاقمه بالتصفيق المطول، في إشارة إلى نجاحه في ملامسة الحسّ التاريخي والوجداني للحاضرين.

بن دودة: ننتصر لسرديّتنا

في كلمة حملت نفَسا احتفاليا ورؤية ثقافية واضحة، أكّدت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، أنّ اختيار قسنطينة لاحتضان العرض الأوّل لفيلم "أحمد باي" ، لم يكن اعتباطيا، بل هو فعل رمزي يضع التاريخ في جغرافيته الأصلية، ويعيد الحكاية إلى أهلها داخل قاعة تحمل اسم الرجل نفسه. وقالت إنّ هذه اللحظة تمثّل انتصارا لسردية مختلفة، ترفض أن يختزل تاريخ الجزائر في "أرشيف بارد" ، أو يُترك في الزوايا المعتّمة، مؤكّدة أنّ مقاومة النسيان شكل من أشكال المقاومة الوطنية.

ورأت الوزيرة في تأكيد جديد على دعم الدولة للأعمال التي تستحضر الذاكرة الوطنية وتعيد طرحها للأجيال بلغة معاصرة، أنّ استعادة سيرة الحاج أحمد باي هي جزء من وعي تاريخي أوسع، يربط بين محطات النضال الجزائري منذ ماسينيسا ويوغرطة وصولا إلى ثورة التحرير، مشدّدة على أنّ قسنطينة لم تكن هامشا في التاريخ، بل مدينة كوزموبوليتية ضاربة في العمق الحضاري، شاهدة على رقيّ أهلها، واختياراتهم الوجودية في تشييد كيانهم فوق الأعالي، في مواجهة الغزاة عبر العصور. 

وأضافت بن دودة أنّ تحويل الحديث عن السينما إلى فعل إنتاجي ملموس، هو رهان المرحلة، وأنّ هذا العمل يشكّل انعطافة حقيقية في مسار بناء صناعة سينمائية، قادرة على تقديم صورة مشرقة عن الجزائر، مؤكّدة أنّ الذاكرة الوطنية ليست سراديب مغلقة، بل كنوز تحتاج إلى لغة العصر، وصورته، وصوته، داعية إلى إنتاج عشرات الأفلام عن رموز الجزائر في مختلف الحقب، من أحمد باي إلى الأمير عبد القادر ولالة فاطمة نسومر ووردة الجزائرية وآسيا جبار، في تعددية رؤى ومقاربات تعكس ثراء التاريخ الوطني.

سميرة حاج جيلاني: اِلتزام أخلاقي والسينما جزء من سيادتنا الثقافية

بصوت امتزج فيه التأثّر بالفخر وقفت المنتجة المنفذة للفيلم سميرة حاج جيلاني، أمام جمهور قسنطينة، غير قادرة في البداية على تطويع الكلمات لوصف اللحظة، حيث قالت إنّها انتظرت هذا المساء طويلا، لحظة أن يرى "أحمد باي" النور في مدينته وبين أهله. وقالت إنّ عرض العمل في قسنطينة ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل عودة رمزية للتاريخ إلى جغرافيته الأولى.

وأكّدت المنتجة أنّ إخراج الفيلم إلى النور لم يكن مسارا سهلا، بل رحلة طويلة من التحديات والصبر والإيمان بالفكرة. كما اغتنمت المناسبة لتوجيه شكرها لرئيس الجمهورية على دعمه المتواصل للسينما الوطنية، ورعايته للمشاريع الثقافية الكبرى. ورأت أنّ هذا الدعم يعكس وعيا بأنّ الثقافة ليست ترفا، بل ركيزة في بناء الدولة، وترسيخ الهوية. كما خصّت بالشكر وزيرة الثقافة والفنون، مؤكّدة أنّها آمنت بالمشروع في وقت كان يواجه صعوبات. وتابعته باهتمام شخصي إلى غاية بلوغه مرحلة العرض انطلاقا من قناعة أنّ السينما الجزائرية تستحق استعادة مكانتها، وأداء رسالتها كاملة.

وشدّدت المنتجة على أنّ "أحمد باي" ليس مجرّد إنتاج سينمائي، بل التزام أخلاقي وتاريخي لسرد قصتنا بأصواتنا، وتقديم رموزنا الوطنية كما تستحق، وحماية الذاكرة من النسيان، حيث أبرزت أنّ العمل تحقّق بفضل تضافر جهود فنية جزائرية، وبمشاركة ممثلين وتقنيين ومخرج إيراني، في تجربة رأت فيها دليلا على قدرة الثقافة على مدّ جسور الحوار بين الشعوب. كما وصفت السينما بأنّها قوة ناعمة ورؤية استراتيجية، تبنى بها صورة الوطن، وتصان بها السردية الوطنية. وقالت إنّ امتلاك أدوات رواية التاريخ بصريا، هو جزء من السيادة الثقافية والحضور الحضاري للجزائر.

محمد الطاهر زاوي: فخر ومسؤولية كبيرة

أوضح الممثل محمد الطاهر زاوي، بطل فيلم "أحمد باي"، أنّ تجسيده هذه الشخصية التاريخية يمثل فخرا، ومسؤولية كبيرة نظرا لأهميته كأحد رموز المقاومة الجزائرية ضدّ الاحتلال الفرنسي، حيث قال إنّ شخصية أحمد باي ليست مجرّد منصب سياسي، بل حياة متشابكة بين الشجاعة والوفاء والإرث العائلي؛ فقد تربى على يد أخواله بعد إعدام والده، في بيئة محافظة وشريفة، تلقى خلالها تربية دينية على حفظ القرآن، وفنون ركوب الخيل. وأدى فريضة الحج في سن الثانية عشرة قبل أن يتابع تعليمه في الحجاز ومصر، ثم يعود إلى الجزائر ليصير بايا على قسنطينة عام 1824.

وأضاف زاوي أنّ الفيلم يسعى لإظهار الجانب الإنساني لأحمد باي، الذي أحبّه القسنطينيون لما أبداه من حرص على حياتهم، حتى قرّر الانسحاب إلى الأوراس؛ لحمايتهم أمام القوّة الفرنسية، مع الحفاظ على كرامة المقاومة. وأكّد أنّ السينما تبقى وسيلة قوية لترسيخ التاريخ في الذاكرة الجماعية، فهي تمنح الجمهور تجربة عاطفية وواقعية، يصعب أن تمنحها الكتب والمحاضرات. وأشار زاوي إلى أنّ مهمته كبطل الفيلم كانت تقديم صورة مشرقة للشخصية، تسلّط الضوء على شجاعتها ووفائها للوطن، بعيدا عن التقييمات الاستعمارية، حتى يتمكّن الجمهور، وخاصة الأجيال الجديدة، من إدراك أهمية إرث أحمد باي، وتخليد مكانته في تاريخ الجزائر.

تكريم واستحضار لأرواح رحلت

وشهدت الأمسية لحظة وفاء مؤثّرة، تم خلالها تكريم مخرج الفيلم جمال شورجة؛ تقديرا لجهوده في إخراج هذا العمل التاريخي الضخم. كما تم الوقوف ترحما واستحضارا لأرواح من شاركوا في صناعة الفيلم وغيّبهم الموت قبل مشاهدة ثمرة عطائهم، وهم المخرج فتحي رضا علي، والممثلة الراحلة ريم غزالي، والممثل الراحل عبد القادر بوجاجة، والممثل الراحل بلقاسم نويشي، والممثل الراحل الوناس لغريم، في لحظة امتزج فيها التصفيق بالدعاء؛ تأكيدا على أنّ الفن ذاكرة جماعية لا تغيب، وأنّ أثر المبدعين يبقى حيا مادام العمل يُعرض، ويُحتفى به.