"سوفيتال" يتزين بلوحات مصطفى بوسنة

أحلام برؤى بصرية فنية

أحلام برؤى بصرية فنية
  • 144
لطيفة داريب لطيفة داريب

 في عالم شديد التعقيد يدفع بالإنسان إلى الكفاح بشدّة لتحقيق أحلامه، اختار الفنان الرسّام مصطفى بوسنة مجموعة من لوحاته المشكّلة من طبقات من الرسومات والألوان ليعرضها في محطة جديدة من معرضه الموسوم بـ«ذاكرة الأحلام" بفندق "سوفيتال"، وهذا بعد أن قدّمه في أكثر من فضاء على أن يرتحل لاحقا إلى فضاءات أخرى في ولايات مختلفة.

عوّض الفنان مصطفى بوسنة اللوحات التي بيعت في الطبعات السابقة لمعرضه "ذاكرة الأحلام" بلوحات جديدة في الطبعة الحالية لمعرضه المقام بفندق "سوفيتال"، حيث أبرز مدى تعقيد العالم الذي نعيش فيه وكذا صعوبة تحقيق الأحلام والأماني، من خلال الاعتماد على مواضيع متداخلة وألوان متشابكة، ومع ذلك حاول في نفس الوقت تقديم رسالة مفادها ضرورة محاولة تجسيد رغباتنا مهما بلغت الصعوبات، في عالم أصبح قرية صغيرة تنسج بين سكّانها روابط عديدة.

يعرض الفنان بفندق "سوفيتال" 24 لوحة من الحجم الكبير، سلّط الضوء في بعضها على حبّه للموسيقى، أما اللوحات المتبقية فمنها من تناول فيها الفنان نعيم الحرية من خلال رسمه للأحصنة وما شابهها من رموز عن الانعتاق، علاوة على تثمينه للتراث الإسلامي والرمز الأمازيغي ورسمه للمنفى وللقرآن وحتى للتأمّل. تجسّد هذه اللوحات عالما بصريا يمزج بين القوّة التعبيرية والبصمة الإنسانية، ففيها تتحوّل الأشكال والخطوط والألوان إلى لغة رمزية تتجاوز المعنى المباشر وهذا وسط بنية قائمة على أشكال هندسية مختلفة، وكأنّ هذه اللوحات عبارة عن نوافذ زجاجية ملوّنة تحمل ذاكرة حضارة ممتدّة عبر الزمن.

من بين هذه اللوحات، نجد لوحة رسم فيها بوسنة رجلا وامرأة متقاربين يشعران بالهناء ونعيم التوافق الفكري والشعوري، لم يرسمهما الفنان بشكل مدقّق ومباشر بل أضفى عليهما شيئا من الرمزية من خلال تداخل بين الخطوط والألوان. كما تحيط بهما أقواس وعناصر معمارية توحي بأنّهما في مدينة قديمة. في لوحة أخرى، اعتمد فيها الفنان على الألوان الباردة خاصة البنفسجي والأزرق، ما خلق جوّا من التأمّل وربما الحزن الرتيب، نرى فيها امرأة تحمل آلة موسيقية وكأنّها شخصية أسطورية أو شاعرة تعزف على أوتار ذاكرة ما، في عزلة هادئة تتحوّل فيها الموسيقى إلى وسيلة للتأمّل والتواصل مع الذات.

في لوحة ثالثة، اتّجه الفنان نحو عالم أكثر تجريدية، بدت فيها المدينة كأنّها حلم غير مكتمل، تتداخل فيها الأبنية والأزقة في بناء بصري ثريّ بالتفاصيل. ورغم غياب العنصر البشري في هذا العمل، تحتفظ اللوحة بإحساس إنساني عميق وكأنّ المدينة نفسها كائن حيّ ينبض بالحركة والذاكرة. تُجسّد لوحات بوسنة تجربة تشكيلية تجمع بين الحداثة الفنية والروح التراثية، حيث يتحوّل اللون والخط والرمز إلى لغة بصرية نابضة بالحياة. كما أنّ الفنان لا يسعى إلى نقل الواقع بصورة مباشرة، بل يعمل على إعادة بنائه عبر رؤية تجريدية تمزج بين الموسيقى والإنسان والذاكرة الثقافية.

في عالم بوسنة، تتفكّك الأشكال إلى مساحات هندسية متشابكة، بينما تظهر الوجوه والأجساد بصورة رمزية أكثر من كونها واقعية، في حين نجد أنّ الخطوط الكثيفة والمتداخلة تمنح اللوحات حركة داخلية مستمرة. كما يُلاحظ استخدام الفنان لمساحات لونية متنوّعة، أما الخلفيات فمليئة بالنقوش والرموز التي تخلق إحساسا بالامتلاء البصري، حيث لا توجد مساحة صامتة داخل اللوحة؛ فكلّ جزء يحمل معنى أو إشارة، مثل رسم الفنان لمواضيع عن الموسيقى وأخرى عن الرموز التراثية والهوية الثقافية تحمل إشارات واضحة إلى البيئة الشعبية، سواء من خلال الأزياء أو الزخارف أو أشكال الآلات الموسيقية والعمارة. هذا الحضور التراثي لا يأتي بشكل توثيقي، بل يُعاد تقديمه ضمن رؤية معاصرة تجعل الماضي جزءا من تجربة بصرية حديثة، كما رسم الفنان شخصيات لوحاته غارقة في عالمها الخاص، تاركة مساحة للتأويل من طرف المتلقي.