الكتابة صيانة للذاكرة الوطنية واستحضار لجذور المستقبل

"آسيا جبار" توشح معريش وسحوي وكيتوني

"آسيا جبار" توشح معريش وسحوي وكيتوني
  • 381
مريم. ن مريم. ن

حاز الروائيون سارة محمد معريش وفريدة سحوي وحسني كيتوني، مساء أول أمس، على الجائزة الكبرى آسيا جبار، في طبعتها الثامنة، التي جاءت بشعار "في الذاكرة، جذور الغد" وكانت مناسبة للكشف عن الدرع الرسمي للجائزة، الذي أُهدي إلى رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، على أن يُعتمد في الطبعات القادمة.

فازت سارة محمد معريش بالجائزة في فئة الرواية المكتوبة باللغة العربية، عن عملها "الرفراف (سيرة الجبل الأسطورية)" الصادر عن دار "نيموريس" للنشر والطباعة، فيما عادت الجائزة في فئة الرواية المكتوبة باللغة الأمازيغية إلى فريدة سحوي، عن روايتها "أغوس" (الحزام)، الصادرة عن منشورات "تالسا"، أما الجائزة في فئة الرواية المكتوبة باللغة الفرنسية، فقد نالها حسني كيتوني عن روايته "ما سلبني الموت منك"، الصادرة عن منشورات "القصبة". وافتُتح اللقاء الذي احتضنه المركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال"، ببث مقطع من خطاب رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أكد فيه أن الثقافة تاج التقدم.

بالمناسبة، أشاد وزير الاتصال محمد بوسليماني، في كلمته، بالإرث الأدبي والفكري والنضالي للراحلة آسيا جبار، وبإسهامها في التعريف بالهوية الجزائرية، مثمنا هذه الجائزة السنوية التي يرعاها رئيس الجمهورية، والتي تعد تكريما لجهود المبدعين الجزائريين ووفاء لأيقونة الأدب الجزائري، آسيا جبار، التي سخرت موهبتها للدفاع عن قضية الوطن، ونقلت نضالاته البطولية وعمقه الحضاري إلى الآخر. وأشار إلى أن "الوطنية لم تكن عند آسيا جبار شعارا رنانا ينام بين أحضان مؤلفاتها، بل مبدأ ثابتا والتزاما راسخا في كل محطات حياتها".

وتوقف الوزير عند محطات من حياة الراحلة، من بينها مشاركتها في إضراب الطلبة أثناء الثورة التحريرية، مشيرا، في الوقت نفسه، إلى فيلمها الوثائقي "نوبة نساء جبل شنوة"، الذي جعل من السينما "فضاء للذاكرة ومنبرا لكشف الوجه القبيح للاستعمار". ومن بين ما جاء في كلمة الوزير أيضا، أن أدب الراحلة بلغ قارات مختلفة، وتُرجم إلى عدة لغات، معتبرا أن الجائزة الكبرى آسيا جبار للرواية "فرصة ثمينة أمام الأقلام الشابة والمغمورة لدخول عالم الرواية الجزائرية"، معربا عن أمله في "رفع سقف الإبداع في كل طبعة من خلال مشاركة الجميع، بهدف التحليق بالرواية الجزائرية في سماء العالمية".

من جهة أخرى، أشار المتحدث إلى أن موعد تتويج الفائزين، تزامن مع ذكرى مجازر 17 أكتوبر 1961، التي سقط فيها آلاف الجزائريين في العاصمة باريس، عقب خروجهم في مظاهرات سلمية، للمطالبة بالاستقلال والتنديد بالإجراءات التمييزية والقمعية. واعتبر أن هذا "التقاطع بين الأدب والتاريخ، يؤكد أن الكلمة والذاكرة وجهان لقضية واحدة". ورد الوزير، بالمناسبة، على الذين اتهموا الجزائر بالتخلي عن آسيا جبار خلال حياتها، قائلا "قمت أنا والسيدة زهور ونيسي سنة 2001، بزيارة لألمانيا لتكريم الراحلة في حياتها، ما يشهد على اعتزاز الدولة الجزائرية بها وبأدبها الراقي".

من جانبه، أشار الرئيس المدير العام للمؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار "أناب"، مسعود ألغم، في كلمته، إلى أن هذه الفعالية تمثل احتفاء بالرواية الجزائرية، وأن شعار هذه السنة يكرس ترسيخ الهوية، وأكد أن الذاكرة ليست استحضارا للماضي فحسب، بل هي رصيد حي نستمد منه ذاتنا ورؤيتنا ووعينا بأنفسنا، لنَبني من خلاله رؤيتنا للمستقبل. وأضاف أن طبعة هذه السنة، تتزامن مع إحياء ذكرى 17 أكتوبر 1961 بباريس، حين خرج الجزائريون والجزائريات من أبناء جاليتنا في مسيرات سلمية، فقوبلوا بقمع وحشي خلف مئات الضحايا. وأكد أن هذا التزامن "يحمل دلالة عميقة، ويؤكد أن الذاكرة الوطنية تُصان بالكلمة، كما صينت بالتضحية، وأن الأدب يظل أحد أهم الأوعية التي تحفظ التاريخ وتضحيات الشهداء وإيصالها إلى الأجيال القادمة".

وقال المسؤول الأول عن "أناب"، إن الجائزة ليست مجرد مناسبة لتكريم الفائزين، بل هي فضاء لترقية الكتاب والأدب الجزائري، والاحتفاء بتنوعه اللغوي والثقافي، وتشجيع المواهب الشابة على مواصلة مسيرة الإبداع، مع استحضار الإرث الأدبي للراحلة آسيا جبار، التي جعلت من الكتابة جسرا للتعبير عن الهوية والذاكرة والإنسان، وأسهمت في إيصال الأدب الجزائري إلى آفاق عالمية. بالمناسبة، جدد ألغم التزام المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، بمرافقة الإبداع وترقية الكتاب وتعزيز حضور الرواية الوطنية، مهنئا الروائيين المتوجين والمشاركين الذين أسهموا، حسبه، بأعمالهم في إثراء هذه الطبعة.

كما تدخل رئيس لجنة تحكيم الطبعة الثامنة للجائزة، حكيم ميلود، مؤكدا أن الجائزة محطة مهمة للاحتفاء بالأسماء الإبداعية الوطنية، خاصة أولئك الذين حملوا اسم الجزائر عاليا في المحافل الدولية، وقدموا صورة صادقة عن مجتمعنا وبلادنا، مخلصين للجذور التي احتضنتهم وللشعب الذي خرجوا منه. وتطرق إلى مختلف مراحل التحضير لهذه الطبعة، مشيرا إلى الحرص على قراءة الأعمال وتقييمها بكل ما يتطلبه ذلك من جدية وموضوعية والتزام أخلاقي وجمالي.

وقال المتحدث، إن ما يميز الأعمال المشاركة هو "غلبة الروايات التاريخية التي تتناول التاريخ الجزائري، إلى جانب الاهتمام برصد التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري، من خلال سرد الظواهر التي تشكل رهاناته وأسئلته، وكذا الاهتمام بالجوانب المتعلقة بعمق الإنسان". كما أبرز وجود "تنوع في أشكال السرد والبنى السردية، تتراوح بين الواقعية بكل أنواعها، والروايات الإثنوغرافية والفلكلورية، وصولا إلى الروايات الغرائبية والفانتازيا، حيث يغلب التخيل والتوظيف الرمزي والأسطوري وتوظيف التراث الشعبي".

أما بخصوص التقنيات السردية المسجلة، فأوضح المتحدث، أن هناك اهتماما كبيرا بتوظيف تقنيات حديثة وتجريبية، للخروج من السرد الخطي إلى تعدد الأصوات والأمكنة والأزمنة، والانفتاح على المجهول والمستقبل، وهو ما يدل على وجود نزوع إلى التجريب والحداثة. وأشار إلى أن لجنة التحكيم اعتمدت في تقييم هذه الأعمال، على مجموعة من المعايير الدقيقة، التي تسمح بقراءة نقدية عميقة وتحليل موضوعي يسبر أغوار النصوص، ويكشف فيها الجدة والحداثة والتجربة والاختلاف. للإشارة، عرفت هذه الطبعة مشاركة 155 عمل روائي، اقترحتها 53 دار نشر وطنية، وأسفرت مداولات لجنة التحكيم عن اختيار القائمة الطويلة، التي ضمت 26 عملا روائيا، فيما تضمنت القائمة القصيرة تسعة أعمال.


قال المتوجون:

أشاد الروائيون المتوجون بالجائزة الكبرى "آسيا جبار للرواية" في طبعتها الثامنة لسنة 2026، معبرين عن امتنانهم لهذا التتويج الذي يثمن إبداعاتهم.

في هذا السياق، أشارت الروائية سارة محمد معريش، المتوجة بجائزة "آسيا جبار للرواية" المكتوبة باللغة العربية عن روايتها "الرفراف.. سيرة الجبل الأسطورية"، إلى أن هذا التتويج يمثل تشريفا وتكليفا واعترافا أدبيا واجتماعيا بنصها، وتتويجا لإصداراتها السابقة. وأبرزت أن الرسالة التي تحملها روايتها تتمثل في "فكرة تقبل الآخر" و«نبذ التعصب"، كما شكرت لجنة التحكيم، متمنية أن يدوم الإبداع في الجزائر.

من جهتها، قالت الكاتبة فريدة سحوي، المتوجة في فئة اللغة الأمازيغية عن روايتها "أغوس" (الحزام)، إن نصها المتوج يتناول أحوال المرأة ويومياتها، وحيت القائمين على الجائزة، مؤكدة أنها تشجع على الإبداع. أما الفائز حسني كيتوني، صاحب رواية "ما سلبني الموت منك"، فتحدث عن روايته التي تسجل معاناة عائلة، بطلها أب استشهد في الجبل يوم 17 أكتوبر 1957، تاركا زوجة وأربعة أولاد من دون مصدر رزق. وقال "الجائزة ليست لي، بل هي تتويج لأبطالها وبطلاتها، خاصة ونحن نعيش ذكرى مظاهرات أكتوبر 1961. إنهم رجال ونساء قدموا حياتهم قربانا للجزائر وأجيالها، كي نعيش نحن اليوم في حرية"، مؤكدا أن أفضل وفاء لهؤلاء الأسلاف وأبناء الشعب والأهالي، يتمثل في أن ننتج عنهم اليوم ونكتب ما عاشوه.