الحلي الفضية بآث يني

شهرة عالمية لإبداع فريد ومتميّز

شهرة عالمية لإبداع فريد ومتميّز
  • القراءات: 2601
 ن.ج/ (وا) ن.ج/ (وا)

قصد التعريف بالطابع المميّز لمنطقة آث يني، التي اقترن اسمها على مر الزمن بالحلي الفضية الأصيلة التي صنعت شهرتها وأضحت مفخرة لسكانها، نظمت مؤخرا الطبعة الأخيرة لحفل الحلي الفضية شعار "حلي آث يني إرث عريق ومتطلبات اليوم"، حيث صمدت الحلي الفضية باعتبارها الإرث العريق لآث يني أمام نكبات الدهر وإملاءات السوق التجارية، لتظلّ مفخرة سكان هذه البلدية وأحد رموزها الاستثنائية. ولم يفوت الزوار فرصة الإقبال على هذه التظاهرة التي شكلت سانحة للتعريف بالتراث العريق والفريد من نوعه لا يمكن فصله عن هوية المرأة القبائلية، والذي بقي صامدا رغم كثرة التهديدات بالزوال.

  تعددت الروايات بشأن أصل هذا الحلي، منها تلك التي ترجع أصله إلى سنة 1492 عندما طردت ملكة إسبانيا من مملكتها أولائك الذين رفضوا اعتناق الكاثوليكية من اليهود والمسلمين، ليتم نفيهم بالقوة إلى دول المغرب العربي، من بينها الجزائر. وحسب هذه الرواية، فإنّ بعض الحرفيين اليهود الذين حلوا آنذاك ببجاية حاملين معهم هذه الصناعة التقليدية، حرصوا فيما بعد على تلقينها تدريجيا للسكان المحليين الذين يشاع أن البعض منهم استقروا عقب عدة عشريات بآث يني.

في تلك الفترة، كانت البلدية تشتهر بإنتاجها للنقود المزيفة وتداولها في الأسواق المحلية بغرض زعزعة الإمبراطورية العثمانية المهيمنة آنذاك. ويقال أن هذه الممارسة كفّت فور اكتشافها من قبل مخبري الداي، الأمر الذي حمل سكان آث يني إلى التوجّه نحو صناعة الحلي الفضية. 

فيما تشير رواية أخرى إلى عائلة علام-من قبيلة آث عباس، كناية على الأرجح على قلعة آيت عباس ببجاية- التي يقال بأنها استقرت لعشريات بآث يني، حيث نقلت هذا الفن للسكان المحليين، وشكّل ارتباط العائلات بآث الأربعاء أحد القرى السبعة التي تعدّها البلدية، مما يفسر العديد الكبير للصائغين، لكن مهما كان المصدر الأصلي لهذا الموروث إلا أن الأكيد أنه نتيجة امتزاج وانصهار ثقافات مختلفة.

ذاع صيت الحلي التقليدية القبائلية المعروفة بسحرها وجمالها،  اكتسبت شهرة عالمية بفضل ارتدائها من قبل السياح الأجانب وكذا الجالية القبائلية المستقرة في الخارج، لاسيما في فرنسا. 

ولم تشهد تقنيات صهر الفضة وقولبتها المنتشرة في كافة أنحاء شمال إفريقيا، والتي تعود إلى العصور القديمة تطورات هامة،  حيث لا تزال صناعة الفضة تقليدية وتنجز بواسطة سندان صغير،  بينما تعتمد تقنية الطلاء بالمينا على تحديد دقيق للأجزاء الواجب طلاؤها وتلحيم خيوط من الفضة. 

الدقة والمهارة

تتطلب حلي الفضة المصنوعة من ثلاثة مواد هي؛ الفضة والمرجان والمينا، الكثير من الدقة والمهارة من صائغ الفضة، وهي معايير أساسية، حتى يصنع بأنامله جواهر دقيقة التصميم بخطوط فضة متشابكة مزيّنة بأحجار المرجان الجميلة الآتية من أعماق البحر الأبيض المتوسط، بينما تستخرج الفضة في الجزائر وتتم معالجتها في فرنسا قبل أن يعاد استيرادها وتستورد المينا من مدينة ليموج الفرنسية. 

ويفسر المسار المتبع لصناعة حلي الفضة غلاءها، ناهيك عن ندرة المواد الأولية التي تبرز الطابع المتميّز لهذه الحلي التي تختلف عن حلي بجاية الأقرب من حلي منطقة الأوراس المطلية بالمينا والمزيّنة بأحجار المرجان من مختلف الألوان، وتنقسم حلي منطقة آث يني إلى عدة أنواع حسب استعمالاتها، فهناك أساور "دداح أو أمشلوخ" و«اإخلخالن" و«أبروش" و«ادويرن" و«تحراحت"، كما تضم تشكيلة حلي آث يني "ثعسابت" التي توضع على الجبين مزيّنة بالمينا والمرجان وكذا كريات من الفضة. 

بالإضافة إلى هذه المجوهرات، نجد "ثيمنقوشيت" أو "ثالوكين" وهي أقراط لا يمكن الاستغناء عنها، إذ بدونها يكون الطقم ناقصا. وتزداد هذه المجوهرات تنوعا، لكن الأنماط الأكثر قدما تبقى محل إعجاب، ومن بينها نجد "لتراك" وهي بمثابة خاتم بيضوي يزينه في أطرافه المرجان، ويعدّ "ثيقودماتين" نمطا آخر من الأقراط ويتألف من حلقات مزينة بمرجان في أطرافه تجمعها صفائح مستديرة مصقولة.  

وظيفة اجتماعية....

عدا الطابع الجمالي المحض، تكتسي أيضا جوهرة آث يني بعدا رمزيا كبيرا ووظيفة اجتماعية، لا يمكن فصلها عن الأثواب القبائلية التي تميّز أيضا المنطقة وتحتل مكانة أساسية في الحياة اليومية، وتصاحب الحلي الفضية المبسطة المرأة القبائلية خلال أيامها المعتادة، فيما تسعى هذه الحلي إلى تزيين معظم حلياتها الثمينة في المناسبات الاحتفالية، لتضفي عليها المزيد من الأناقة.  

كانت النساء القبائليات في القديم لا يتخلين أبدا عن جواهرهن حتى في الأشغال المنزلية، وغالبا ما تتوارث المجوهرات من الأمهات إلى بناتهن، ونظرا لقيمها الرمزية والتجارية لا يتم بيع هذه المجوهرات إلاّ إذا اقتضته حاجة ملحة.   ترتبط هذه المجوهرات بشكل كبير بهوية المرأة القبائلية إلى درجة وجوب امتلاكها وترقبها كأولية في جهاز العروس، لهذا الغرض تعكف الأمهات طيلة سنوات على اقتصاد الثمن الضروري لاقتنائها، مما يدفع البعض منهن إلى الالتزام بالاستدانة في حال تلقي صعوبات في الدفع. ولكي تكون هذه الحلي كاملة، يجب أن تتكون من أساور ومكحلات وأقراط وقلادات وكذا من أكليلات.  

وتعتبر أيضا الصناعة الحرفية للفضة، علاوة على كونها مرجعا بامتياز لآث يني، أفضل حجة للتعريف بهذه البلدية الريفية التي تتميّز بتضاريس متألفة من تسلسل الربوات في سفوح جبال جرجرة، والتي تشكّل الحد الشمالي، ولأن بلدية آث يني خرجت في الماضي من صمتها بفضل رواية "الربوة المنسية" التي ألّفها الكاتب مولود معمري المخصّصة لقرية مسقط رأسه ثوريرت موسى، شيدت البلدية سمعتها من خلال مهارة الحرفيين الصائغين الذين يعيشون في أغلبيتهم من هذه الصناعة التقليدية، والتي من المفيد أن تتلقى المزيد من الدعم لضمان ترويجها وديمومتها.