نهاية  «الشكارة» والتهرب من دفع الاشتراكات
  • ملفات
  • قراءة 485 مرات
ع. إسماعيل ع. إسماعيل

الاتفاق بين الأندية المحترفة وصندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء

نهاية «الشكارة» والتهرب من دفع الاشتراكات

 قطاع الرياضة في الجزائر بقي الوحيد الذي لا تشمله التغطية الاجتماعية على غرار باقي القطاعات التي يدفع فيها الفاعلون اشتراكاتهم لصندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء.

فالتهرب من تسديد مستحقات صندوق الضمان الاجتماعي كان السمة التي تميز القطاع لسنوات إلى غاية توقيع بروتوكول الاتفاق بين الاتحادية الجزائرية لكرة القدم وصندوق الضمان الاجتماعي، يوم 21 ديسمبر الماضي.

 وهو الاتفاق الذي يلزم أندية كرة القدم بالتصريح بلاعبيها وإلا ستتعرض لعقوبة الخصم من نقاطها وتجميد أرصدتها البنكية.

رياضيون كثيرون ذهبوا ضحية القوانين التي تجاهلها مسيّروهم الرافضون دفع نسبة الاشتراكات والتصريح بهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء! مفضلين استغلال الوفرة المالية الخاصة بتحويل واستقدام اللاعبين بعيدا عن أية مراقبة ومحاسبة. وهي الممارسات المعروفة في الوسط الرياضي تحت تسمية «الشكارة»، وليس المسيرون هم الفاعلون الوحيدون في هذه العمليات المشبوهة، بل إن اللاعبين أنفسهم شاركوا فيها. فنسبة كبيرة منهم لم يهمهم إن كان مسيروهم يدفعون اشتراكاتهم لصندوق الضمان الاجتماعي أم لا، بينما القلة القليلة منهم كانت تعي جيدا خطورة هذا الوضع على مستقبلهم الاجتماعي، ولجأت إلى وكالات خاصة في التأمينات للتعاقد معها ودفع اشتراكاتها، لكن بنسبة قليلة من الاستفادة في التغطية الاجتماعية.

هذا الوضع شجع استمرار التأخر الكبير الذي حصل في كيفية الإسراع في تطبيق الاحتراف، بعد أن طالبت الأندية بالمزيد من المساعدات المالية من الدولة للدخول في هذا النوع من التسيير الرياضي المعتمد في كثير من بلدان العالم.

إلا أن تحول هذه الأندية الاحترافية إلى شركات رياضية، في ظل تطبيق الاحتراف، غيّر المفاهيم والعقليات لدى مسيري هذه الأخيرة، فأدركوا ضرورة تصريح لاعبي أنديتهم ودفع اشتراكاتهم لدى صندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء، لاسيما بعد صدور المرسوم 16-152 المؤرخ في 23 ماي 2016، والذي يحدد القيمة المالية الخاضعة للاشتراك في الضمان الاجتماعي بالنسبة للنادي الرياضي المحترف لكرة القدم، للاشارة فإنه وفقا لبروتوكول الاتفاق هذا، سيستفيد الطاقم الفني والطاقم الطبي واللاعبون المنخرطون في الأندية المحترفة من الضمان الاجتماعي 15 مرة الأجر الأدنى، كما أن اشتراكات الأندية تم تحديدها بـ 34،5 بالمائة (9 في المائة للاعبين و26 في المائة للأندية)، بالإضافة إلى 0,5 في المائة كمساهمة بالنسبة للصندوق الوطني لمعادلة الخدمات الاجتماعية. سيتبع للإشارة فإنه وفقا البروتوكول هذا إمضاء اتفاقيات مستقلة مع كل ناد محترف مستقبلا.

ارتأت «المساء» أخذ أراء بعض الأطراف الرياضة التي هي على دراية كبيرة بهذا المجال، فكانت لنا حوارات قيّمة مع علي فرقاني اللاعب الدولي السابق، وسعيد عليق الرئيس السابق لاتحاد الجزائر الذي يشغل حاليا منصب رئيس النادي الهاوي لاتحاد الجزائر، ومحمد مشرارة الرئيس السابق للرابطة الوطنية الاحترافية، إلى جانب السيدة هند نساح مديرة مصلحة الانتعاش والنزاعات بصندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء.

السيدة هند نساح، مديرة الانتعاش والنزاعات بصندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء لـ«المساء»: للرابطة دور فاعل في إجبار النوادي  على دفع الاشتراكات

تقول السيدة هند نساح، مديرة مصلحة الانتعاش والنزاعات بصندوق الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء في العاصمة، أن هذا الأخير قدم تسهيلات كبيرة للأندية المحترفة الجزائرية في إطار تطبيق المرسوم 16-52 المؤرخ في 23 ماي 2016 والمحدد لأساس ونسبة الاشتراك والأداءات التي يقدمها الصندوق لفائدة  الأندية ولاعبيها وتأطيرها الفني والطبي. وأوضحت السيدة  نساح في هذا الموضوع قائلة: «أول خطوة قام بها الصندوق تخص قبول اشتراكات الأندية المحترفة لكرة القدم التي انطلقت سنة 2010، حيث أخدنا بعين الاعتبار دفتر الشروط المحدد لقانون هذه الأندية التي كانت تسير كشركة رياضية ذات أسهم،  وقامت بدفع اشتراكات لاعبيها وأفراد إطارها الفني والطبي، لكن حصل إشكال كبير بعد أن طرحت هذه الأندية قضية رواتب اللاعبين التي كانت تمثل بالنسبة إليها عبئا كبيرا على ميزانيتها، حيث رفضت هذه الأندية في المرحلة الأولى التعامل مع الصندوق، على أساس الحد الأدنى للأجر المطبق (SMIG)،  وهو ما يفسر التأخر الذي حصل في تطبيق نسبة اشتراكات اللاعبين، ونحن نتفهم الإشكال الذي حصل بسبب هده النسبة، لاسيما أن الفترة التي يقضيها اللاعب المحترف في النشاط الكروي قصير جدا ولا يتعدى خمسة عشر سنة».

وبسبب ارتفاع نسبة الحد الأدنى للأجور الذي عرضه صندوق الضمان الاجتماعي على الأندية، رفضت الكثير منها دفع الاشتراكات وبقيت تترقب قيام الصندوق بإيجاد آلية جديدة تخفض من نسب الحد الأدنى للأجر المطبق. وقد عطل هذا الموقف الإسراع في وجود تفاهم بين الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الخاص بالعمال الأجراء من جهة، والاتحادية الجزائرية لكرة القدم التي كانت ممثلة في هذه القضية من طرف الرابطة الوطنية الاحترافية، إلا أن الطرفان توصلا إلى إيجاد حل وسط أرغم أغلبية الأندية المحترفة على الموافقة عليه والانخراط في نظام الاشتراكات لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. تقول محدثتنا حول هذا الاتفاق؛ «المرسوم 16-152 الصادر في 23 ماي 2016 هو الذي سمح بحل الإشكال الذي كان قائما منذ سنة 2010، حيث تم احتساب الحد الأدنى للأجر الوطني المطبق بمعدل 15 مرة، وهو 34,5 بالمائة المطبقة حسب القاعدة المقترحة لدفع الاشتراكات، بالإضافة إلى 0,5 في المائة الممثلة للحصة المخصصة للصندوق الوطني لمعادلة الخدمات الاجتماعية. الاتفاق يحدد راتب اللاعب الذي ينشط في النادي المحترف بـ 270 ألف دينار جزائري، و حاليا لدينا 32 ناديا محترفا مسجلا في صندوق الضمان الاجتماعي المخصص للعمال الأجراء «. 

تفرض واجبات إخضاع الأندية للمرسوم الجديد 16-52 ضرورة قيام هذه الأخيرة بالتصريح بلاعبيها وأطقمها الفنية والطبية والإدارية، والتصريح بدفع اشتراكات في المواعيد القانونية وإيداع التصريحات السنوية. وأوضحت أيضا السيدة هند نساح أن تسوية قاعدة الاشتراكات المقترحة منشأة في الحدود المثبتة من طرف المادة 2 من المرسوم 16-152 الصادر في 23 ماي 2016، فضلا عن أن التصريح بالاشتراكات التي تم دفعها قبل صدور هذا المرسوم يجب أن يكون مطابقا  لترتيبات المادة 2 من هذا المرسوم. تجدر الإشارة إلى أن الاتحادية الجزائرية لكرة القدم دفعت لصندوق الضمان الاجتماعي صكا بقيمة 32 مليار سنتيم، تمثل القيمة المالية لتأخر الأندية المحترفة في دفع اشتراكاتها قبل صدور المرسوم 16-152. ويمكن من الآن فصاعدا لكل الأندية التقرب من وكالات الضمان الاجتماعي عبر الوطن للقيام بدفع اشتراكاتها السنوية.

أرجعت السيدة هند نساح ترسيم الاتفاق الحاصل بين الاتحادية الجزائرية لكرة القدم وصندوق الضمان الاجتماعي، إلى التنسيق الذي كان موجودا بين هذا الأخير والرابطة الوطنية الاحترافية التي بذلت مجهودات كبيرة في مجال توعية الأندية لدفع اشتراكاتها.

نور الدين زغبي فقد عينه اليسرى في مرحلة الإصلاح الرياضي:  أتمنى استرجاع حقوقي بفضل المرسوم الجديد للضمان الاجتماعي

كثيرون هم الرياضيون القدامى الذين كانوا ضحية بعض الإصابات المستدامة الخطيرة، التي لم تتسبب فقط في تّوقفهم المبكّر عن مشوارهم الرياضي، بل أوقعتهم في وضعية صحية واجتماعية صعبة للغاية، بسبب عدم استفادتهم من تبعات الضمان الاجتماعي وبقوا لوحدهم يكابدون من أجل الحصول على حقوقهم ويتلقون ضربات الانعكاسات التي أحدثها وضعهم الصحي الجديد، على اعتبار أنّ الكثير من الأندية لم تقم في الستينات والسبعينات وحتى إلى غاية الثمانينات والتسعينات بتأمين لاعبيها، والوضع تكاد تعرفه العديد من الأندية إلى يومنا هذا، بالرغم من صدور المرسوم الجديد 16- 152 المؤرخ في 23 ماي 2016.  

اخترنا في هذا الموضوع عينة من الرياضيين الذين كانوا ضحية إصابات صحية بليغة في الميادين الرياضية أثناء مزاولتهم المنافسة الرسمية الرياضية، ويتعلق الأمر باللاعب الدولي السابق في كرة السلة نور الدين زغبي، الذي كان ينشّط ضمن فريق اتحاد الجزائر خلال مرحلة الإصلاح الرياضي، وفي إحدى جولات البطولة التي كان فيها فريقه يواجه في سطيف فريق الدرك الوطني، تعرض زغبي إلى إصابة بليغة على مستوى عينه اليسرى، تسبب فيها أحد لاعبي الفريق الخصم، على حدّ أقوال زغبي الذي سرد لنا الحادثة كما يلي؛ «كنا نلعب مرحلة المجموعات وأوقعتنا عملية القرعة مع فريق الدّرك الوطني الذي كنا دائما نشعر بصعوبة الانتصار عليه، المباراة جرت في عام 1979 والحظ لم يسعفني فيها، حيث خرجت منها مصابا على مستوى العين اليسرى التي نزفت دما وشعرت وقتها أن كلّ الدّنيا سقطت على رأسي. وكشفت الفحوصات الأولى التي أجريتها عن انتفاخ الغشاء الخارجي للعين. دخلت في مرحلة علاج وتحسنت حالتي فيما بعد، وعدت إلى المشاركة في المنافسة، لكن أثناء مشاركتي مع الفريق الوطني بالمغرب في إحدى دورات بطولة أمم إفريقيا، اعترضني لاعب من الفريق الخصم بيده على مستوى العين التي أصبت فيها سابقا، وتضررت حالتي أكثر من ذي قبل، حيث توقفت نهائيا عن المشاركة في المنافسة ودخلت في مرحلة علاج طويلة في الجزائر وفرنسا». 

غير أنّ الأمر لم يتوقف بالنسبة لزغبي عند هذا الحد، بل تعدى ذلك إلى مواجهته عدّة مشاكل عويصة كادت أن تدخله في مرحلة جنون - على حدّ أقواله - لما اكتشف أنه غير مؤمن من طرف مؤسسة «سونلغاز» التي كانت تسيّر فريق اتحاد الجزائر في تلك الفترة، فطرق أبواب الهيئة الفيدرالية للفرع التي كان يترأسها آنذاك عبد المجيد رزقان  وزارة الشباب والرياضة دون أن يتحصل على أيّة نسبة من الضّمان الاجتماعي، باستثناء قيام مؤسسة «سونلغاز» بتغطية مصاريف علاجه في فرنسا، لكن ذلك لم يغيّر شيئا في حالته الصحية، حيث فقد نهائيا البصر بعينه اليسرى. يقول نور الدين زغبي عن تلك المرحلة الصعبة التي عاشها: «أول عقبة واجهتها في أول خطوة قمت بها للحصول على حقوقي، تمثلت في موقف صندوق الضمان الاجتماعي الذي رفض الاعتراف بالحادث الذي تعرضت له في الملعب بسبب غياب أي ملف يخصني لدى مصالحه، لذا لم أستفد من أية تعويضات لدى هذا الصندوق الذي تجاهلتني مصالحه بصفة كلية، لقد تركوني على حالي وهذا ما أضرني كثيرا من الناحية المعنوية».

غير أن المرسوم الجديد 16 - 152 المؤرخ في 23 ماي 2016،  الذي يتضمن ترتيبات جديدة في مجال الاشتراكات في صندوق الضمان الاجمتاعي، فتح أفاقا جديدة للرياضيين الذين يتواجدون في نفس الحالة التي يمر بها نور الدين زغبي الذي قال في هذا الشأن: «لم أكتشف بعد ما يتضمنه هذا المرسوم،  لكن أتمنى أن نجد نحن الرياضيون المنسيون في مجال الضمان الاجتماعي ضالتنا فيه ونسترجع بالتالي حقوقنا الضائعة، لاسيما فيما يخص حالتي، حيث تعرضت للإصابة خلال مرحلة الإصلاح الرياضي».

نور الدين زغبي يتواجد اليوم في مرحلة متقدمة من السن، ومنحة التقاعد التي يتحصل عليها لا تكفيه لرعاية عائلته، حيث اضطر إلى البحث عن منصب عمل، ولحسن حظه أن وزارة الشباب والرياضة سمحت له كرياضي دولي قديم، بالعمل على مستوى المركز الرياضي للفرق الوطنية بالسحاولة، حيث يعمل كمنسق عام في نفس المركز. 

 

العدد 6122
27 فيفري 2017

العدد 6122