المتوّج بـ’’العشير" يعود  اليوم من الباب الكبير
  • ملفات
  • قراءة 1445 مرات
نوال جاوت نوال جاوت

مولود معمري: كبير المبدعين الذي ضيعه قومه 100 عام

المتوّج بـ’’العشير" يعود اليوم من الباب الكبير

مولود آث معمر.. روائي، قاص، كاتب مسرحي، مترجم وناقد، مناضل أسّس للسانيات الأمازيغية وأنجز عملا كبيرا في النحو الأمازيغي "تجرومت"، بعد سنوات من التغييب، يعود إلى الواجهة الوطنية من الباب الواسع. عام 2017 هو عامه بامتياز وفيه يحتفي بمئوية ميلاده كاعتراف رسمي بكل الجهود التي قدمها للجزائر في شتى مجالات الثقافة والفكر والمعرفة، يضاف إليها توشيحه بوسام "عشير" بعد الوفاة من مصف الاستحقاق الوطني بمناسبة يوم العلم، وهو ما ينمّ عن إرادة سياسية لتكريس ثقافة العرفان والاعتراف بقامات إبداعية غيّبت وهمّشت وكانت من "المغضوب عليها"، لا لسبب إلا لأنها أرادت للجزائر أن لا تفخر بتنوعها وثرائها وتتباهى بتراثها الأمازيغي.

اتسم مسار "دا المولوذ" بالكثير من الخصوصية والتميز، حيث اعتنى بالثقافة المحلية والتراث الأدبي الشفوي القبائلي، فجمعها ووثقها ونشرها معتمدا البحث الميداني والتحقيق، وساهم بشكل كبير في الاعتراف الدولي بتراث "أهليل قورارة". كما اعتبُر المبدع المحتفى به "ذا موسناو"، مؤرخ، شاعر، حكيم، تناولت مجمل أعماله مسألة الهوية والوطنية والدفاع عن تاريخ وسيادة الجزائر.

في هذا الملف، حاولت "المساء" تقديم نبذة عن الرجل الذي ارتبط اسمه بالقضية الأمازيغية التي تحيي اليوم 20 أفريل الذكرى السابعة والثلاثين لربيعها، فكان أن رصدت أراء مجموعة من الأساتذة الباحثين الذين أكدوا أن "دا المولوذ" هو منبع الفكر الجميل والناطق بلسان "ثاموسني"، وصاحب الرسائل العميقة والهادفة، معتبرين أن الثقافة والمعرفة أساسيان في أعماله، وشددوا على أنه لم يكن مثقفا متعصبا ولا روائيا إيديولوجيا، وانصبت أعماله في مجملها على الجزائر.

كما تحدثت "المساء" إلى الدكتور الباحث عبد الحميد بورايو، الذي استعرض علاقة معمري بالتراث، مؤكدا أنه تبنى مسعى توثيقيا بدوافع وطنية وإنسانية، وشدت الرحال إلى قريته "ثاوريرت أن ميمون"، والتقت أصدقاءه وأقاربه، وقلّبت في دفاتر التاريخ، ووجدت رأي الأديب المصري الكبير طه حسين في رواية "الربوة المنسية"، واقتربت من الأديب الجزائري المتميّز مرزاق بقطاش، والناقد والروائي فيصل الأحمر، وكذا البروفيسور سليمان حاشي مدير المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، علم الإنسان والتاريخ، لتسليط الضوء على بعض من جوانب شخصية مولود معمري، الذي يحتفى بمئوية ميلاده من خلال النشاطات والمحطات التي أعدت لها المحافظة السامية للأمازيغية.

الرجل الذي تفوق على نفسه وخالف حرفة أبيه

يجمع سكان بني يني وقرية توريرت أن ميمون بولاية تيزي وزو، على أن عالم اللسانيات والأديب المتفرد مولود معمري كان مثالا للرجل المثقف والذكي، معروفا ببساطته، قريبا من الناس، محبا للثقافة الأمازيغية ومدافعا عنها، لم يرث عمل أبيه في صناعة الأسلحة، وتفوق على نفسه بتكلم العربية بطلاقة، وهو يجهلها تماما. وفي هذا الاستطلاع، يتحدث مقربوه وأصدقاؤه عنه بالكثير من الشوق والاعتزاز.

❊ دليلة مالك  

في زيارة ليوم واحد إلى مسقط رأس مولود معمري بقرية توريرت أن ميمون، بمناسبة إطلاق الاحتفال بمئوية ميلاد صاحب "الربوة المنسية"، وقفت "المساء" على إجماع شامل، على أن الراحل مولود معمري كان مثالا للرجل الأمازيغي الحرّ الغيور على ثقافته، المعروف بشهامته، وببساطته بين أهل قريته.

معمري الذي خالف حرفة أبيه

خالف مولود معمري حرفة أبيه وفي صناعة الأسلحة وتصليحها، رغم أن العرف وقتئذ كان يقول غير ذلك، وهو أن الولد يحافظ على مهنة الأجداد، غير أن والد مولود لم ينزعج من نفور ابنه من مهنته، حسبما أكده أوكيد محمد (أستاذ متقاعد)، وحكى لـ«المساء" أن مولود معمري لما كان صغيرا (حوالي 8 أو 10 سنوات)، كان يلعب في ساحة القرية، وكان أبوه صانع أسلحة ومصلحها، وكان هناك "مرابط" اسمه الحاج صديق قال لوالد مولود؛ لماذا لا تعلم ابنك حرفتك؟، فأجاب "مولود جعله الله متفوقا في زمانه"، فكان كذلك وأصبح كاتبا تفرّد بعدد من الروايات الرائعة التي حوّلت اثنتان منها إلى فيلمين سينمائيين، ويتعلق الأمر بـ«الأفيون والعصا" و«الربوة المنسية"، فضلا عن أبحاث رائدة في اللغة الأمازيغية وثقافتها. وأضاف المتحدث أن مولود معمري رجل كريم وابن عائلة شريفة جدا، أجداده قدموا أشياء جميلة لقريتهم. كان دائما بسيطا مع الناس لا يتكبر عليهم، يأخذون بمشورته، ويساعد من يعاني مشكلا في الدراسة.

نطق العربية الفصحى وهو يجهلها

لم يسبق أن درس مولود معمري اللغة العربية، فهو نتاج المدرسة الفرنسية إبان الاحتلال، غير أن رفيق دربه علي صياد روى لـ«المساء"، أنه في إحدى المرات دعته القناة الأولى الناطقة باللغة العربية، ومعمري لا يعرف أية كلمة بالعربية، فتمت محاورته بالفرنسية وترجمتها إلى العربية، فأمليت عليه، ثم كتبها صوتيا بالحروف اللاتينية، ولما طرحوا عليه الأسئلة تحدث معمري بعربية طليقة.

وأردف صياد أنه كان مساعده وتلميذه، ولما كان مديرا لمركز البحث الأنثروبولوجي في سبعينيات القرن المنصرم، حيث اشتغل معه أمينا عاما للمركز. يعتبر المتحدث أن مولود معمري يمثل الرجل الذي تحدث عنه في كتابه "قصائد قبائلية"، إذ قسم الرجل إلى ثلاثة أبعاد؛ الأول متعلق بالرجل ذو معرفة، والثاني الرجل الذي لا يحتاج للتأهيل، والثالث هو الرجل الذي لا يضرب، ومعمري كانت تجتمع فيه هذه الأبعاد الثلاثة، كان "رجلا شجاعا".

وتابع يقول؛ "كنت تلميذه في ثانوية بالمدية، ثم ببن عكنون في العاصمة، يدرسني اللغة الأمازيغية وعلم الإثنيات". واسترسل صياد في الحديث وقال بأن في عام 1982، كان معمري يستشعر نهايته، قام بجولة حول القبائل وفي الصحراء الجزائرية، مرورا بجانت، تيميمون وتمنراست، كانت طريقة للوداع وترك مركز البحث CRAP الأنثروبولوجي وما قبل التاريخ، ثم قضى وقته في نشر عمله الأنتثروبولوجي في أشعار قبائلية قديمة، والتعريف بأدب قورارة من خلال الأهليل الذي كان يشمل الغناء والشعر والرقص والأداء الجماعي.

مسار معمري لا يتصوّره العقل

أكد عبد المجيد بالي (صحفي متقاعد بالقناة الإذاعية الثانية) أن مولود معمري معروف لدى الناس، ترك أثرا مهما على مستوى الثقافة الأمازيغية ولغتها، منوها بالمسار الذي سار عليه من أجل الأمازيغية ولا يتصوره العقل، ذلك أنه كان وحيدا في عمله وبحوثه. وأضاف بالي أنه كان طالبا لأستاذه مولود معمري عندما كان في الجامعة، وتابع يقول "كان لي الشرف لأكون من بين طلبة جامعة الجزائر (الجامعة المركزية)، حيث درسني معمري الأمازيغية من عام 1966 إلى غاية سنة 1971، وكانت هناك دفعة قبلها بين سنتي  1962و1966 وهناك من واصل بعد عام 1971".

واسترسل "صحيح أنه كان وحيدا، لكنه رجل مثقف يعرف جيدا أين يذهب وله رؤية مستقبلية، يمشي بحذر، يتميز بالهدوء، وما كان يقوم به من أعماق قلبه ربما لم تساعده خلال تلك الظروف، لكنه قام برمي البذور التي أثمرت اليوم، ومكاسب الأمازيغية اليوم هي من ثمار عمل معمري".

وثائقيان وروائيان آثر معمري السينمائي

خلف الأديب مولود معمري أربعة أعمال سينمائية، بفضل روايتيه اللتين انتقلتا إلى السينما عبر أفلام روائية طويلة، وهما "الربوة المنسية" للمخرج الراحل عبد الرحمان بوقرموح و«الأفيون والعصا" للمخرج أحمد راشدي، إلى جانب وثائقيين اشتغلهما مع المخرج أحمد راشدي أيضا، وهما "فجر المعذبين" و«أسطورة الجزائر". 

الأفيون والعصا: الرواية التي أبهرت راشدي

وفي لقاء مع المخرج المخضرم أحمد راشدي، قال بأن أول تجربة بالنسبة له في التعامل مع مولود معمري كانت تتمثل في فيلم وثائقي طويل مدته ساعة ونصف الساعة، ويصفه راشدي بأنه يمثل افتتاحية السينما الجزائرية، فيه كل ما يجب أن يكون اتجاه السينما الجزائرية، عنوانه "فجر المعذبين".

وبالنسبة لـ«الأفيون والعصا" كانت ثاني تجربة، وعنها قال "قرأت الكتاب وأخرجت جزءا من الرواية ليكون سيناريو الفيلم، وهذا الجزء هو الذي يركز على قرية نموذجية في منطقة القبائل تمثل الجزائر ككل، إذ تعيش هذه القرية تراجيديا تعكس ما وقع للجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، ثم اقترحته على معمري في البداية، كان مترددا لأن ذلك الجزء ما هو إلا ربع الرواية، وفيه أشياء كثيرة أخرى يمكن أن تثري قصة القرية والخروج من الدائرة المغلقة للحسابات والحرب، أراد معمري أن يخرج جزئية ثانية من الرواية تتعلق بقصة حب، إلى درجة أن معمري قال لي؛ أعطيتك قصة حب فحولتها إلى فيلم رعاة البقر".

وتابع المتحدث أنه بعد 5 سنوات، عاود معمري مشاهدة الفيلم على التلفزيون الجزائري، فهاتفه وقال "لقد أخذت شخصياتي من الرواية وأصبحت ملكا لك"، وشخصيات معمري في الرواية أناس التقى بهم ويعرفهم، فأجاب راشدي؛ "لا بد أن تشكرني لأنني أعطيت لشخصياتك وجودا إنسانيا وصوتا وكلاما"، ثم أردف معمري؛ "تلك هي شخصياتك، ويجب أن نلتقي لنضع خطا فاصلا بينهما.

وأفاد راشدي أن عملا ثالثا جمعه بالأديب، وفيلم وثائقي، برعاية وزارة المجاهدين، يضم كل تاريخ الجزائر من ما قبل التاريخ حتى عام 1962، عنوانه "أسطورة الجزائر".  

لعب دورا رياديا في اكتشاف وترقية اللغة والثقافة الأمازيغية  ... حاملا همّ الوطن، ظل يطرق الأبواب الموصدة

تحتفي الجزائر هذا العام بأحد أبنائها الذين بصموا مشهدها الفكري والأدبي والجامعي، قامة من قاماتها المتفردة، وارتبط أيّما ارتباط بالقضية الأمازيغية وبالتراث الجزائري. مولود معمري الذي نشهد أطوار مئوية ميلاده، تجربة لا يمكن تجاهلها أو تغييبها لما تحمله من خصوصية لازمت تاريخ الجزائر في شتى مراحله، حمل همّ التراث والوطن وعُرف ببعد النظر والصرامة بالعمل، مما ساهم في إذكاء الصحوة الضرورية لإخراج الأمازيغية من نفقها المظلم. كما قدّم خدمة جليلة لثقافة الجزائر العريقة باختياره مشروع حماية اللغة الأمازيغية وإخراجها من دائرة النسيان.

لعب "دا المولوذ" دورا رياديا في اكتشاف وترقية وإبراز الأهمية الحيوية للغة والثقافة الأمازيغية، حيث صبّ كل طاقته الفكرية بشكل خاص على "اللغة" كباب لتعليم الأمازيغية، وبفضل تضحياته التي امتدت لثلاثة عقود متسلحا في ذلك بالعلم والقناعات المدعمة بقدرة مقاومة كلّ الصعاب وعدم الاستسلام، خاض بجدية واستمرارية في الكتابة والإنتاج العلمي، ولم تكن الظروف السائدة آنذاك -حيث طغت إيديولوجية صارمة ومتزمتة في الميدان الثقافي-، ولا مساعي من شبهوه بـ«دون كيشوت" في مواجهة الطاحونات الهوائية، سببا في التراجع عما كان يعتبره قضية مقدّسة ومادة علمية ذات آفاق فكرية واعدة.

ولد مولود معمري في 28 ديسمبر 1917 بقرية تاوريرت أن ميمون بآث يني - ولاية تيزي وزو، نشأ وسط أسرة ذات جاه وعلم مهّدت له ظروفا مواتية لاحتضان العلم والأدب. تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة القرية، وهي المنطقة التي كانت ملهما قويا لمختلف الأعمال الأدبية التي أصدرها فيما بعد. التحق عام 1928 بالمملكة المغربية وهو لم يتجاوز الحادي عشر من عمره، ودرس بمدينة الرباط في كنف عمه، ليعود عام 1932 إلى أرض الوطن. التحق بثانوية "بوجو" (ثانوية الأمير عبد القادر حاليا) بباب الوادي، ثم انتقل إلى ثانوية "لويس الأكبر" بباريس فيما بعد.

في 1939، جند معمري من طرف السلطات الاستعمارية، غير أنها سرعان ما أخلت سبيله سنة 1940، فكانت فرصة للالتحاق بكلية الآداب بجامعة الحزائر، ونشر في نفس السنة بمجلة "أكدال" المغربية مجموعة هامة من المقالات المتعلقة بالمجتمعات الأمازيغية، والتي تناولها فيما بعد أنتروبولوجي زاد من وتيرة ترقية اللغة والثقافة الأمازيغتين، كما شارك أيضا في الحملة العالمية لمناهضة الحرب العالمية الثانية.

في 1942 أعيد تجنيده بعد الإنزال الأمريكي، فترشّح غداة نهاية الحرب لمسابقة توظيف أساتذة الآداب، ليعود إلى الجزائر سنة 1947، وخلال هذه المرحلة، كان مولود معمري مدرسا بالمدية، ثم ببن عكنون في العاصمة، فكانت مرحلة هامة لوضع أولى اللبنات لروايته الأولى ‘’الهضبة المنسية’’ التي صدرت عام 1952. وفي 1955 أصدر ‘’نوم العادل"، فأخذت شهرته تكتسح الأصقاع وازداد الطلب على روايتيه لما تحملانه من بعد إنساني حضاري يرتبط ارتباطا وثيقا بالإرث الثقافي للقبائل.

ذكرت مختلف السير عن الكاتب، أنّه كان مناضلا ثقافيا أسّس للسانيات الأمازيغية، ومع تسارع الأحداث، تفطّنت الإدارة الفرنسية لأمره، فقرّرت ملاحقته واستهدافه، فكان عليه أن يغادر الجزائر وهو ما كان فعلا حين اتجه إلى مدينة الرباط سنة 1957. كانت تلك محطة هامة لإنجاز دراسات تتناول اللسانيات الأمازيغية في سياق أكاديمي منسق.

غداة الاستقلال، عاد الروائي مجددا إلى الجزائر، وأصدر في 1965 رائعة ‘’الأفيون والعصا’’، وخلال المرحلة الممتدة بين سنتي 1965 و1972 أشرف على تدريس اللغة الأمازيغية بالجامعة في إطار خلية الإتنوبولوجيا التي كان يشرف عليها، غير أنه منع في العديد من المرات من إلقاء دروس خاصة بهذه اللغة، وكان يجبر على الحصول على ترخيص لإلقاء تلك الدروس. وامتد الأمر كذلك إلى غاية سنة 1973، حيث تقرر خلالها حذف وحدة الإتنولوجيا من المقرر، على أساس تصنيفها ضمن الوحدات الموروثة عن الاستعمار.

غاية في الإنسانية والرزانة

كان الأديب غاية في الإنسانية والرزانة، وكان مخلصا، هادئا، لا يكاد يباشر مشروعا ثقافيا حتى تجده منزويا، ينأى عن الأعين ولا يهدأ له بال إلا إذا استوى مشروعه فوق بساط الحقيقة. تختلف روايات معمري اختلافا جذريا عن الأعمال الأدبية التي كتبت بالفرنسية منذ بداية القرن العشرين، ولقد اتضح منذ البداية أنه مشروع روائي يوازي فكر الأدباء الذين انصهروا في سياسة الاندماج والمثاقفة من قبل، وتبين جليا أن رواياته لم تكن إلا دعوة صريحة إلى أدب وطني أصيل، حيث يدعو إلى الالتفاف حول المجتمع والهوية كرافدين هامين من الشخصية الجزائرية، ولعل مثل تلك المواقف الصامدة جعلته يغادر إتحاد الكتاب الجزائريين وهو في أوج العطاء بعد اختلاف حول دور الكاتب وأهمية المواقف التي ينساق وراءها في المجتمع. في سنة 1965، جمع الكاتب ونشر مجموعة قصائد الشاعر ‘’سي محند أومحند’’، فساهم بذلك في وضع لبنة أخرى في سياق الحفاظ على التراث الشفوي للشاعر بعد تلك التي قام بها الكاتب مولود فرعون، وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1969 و1980، أشرف ‘’دّا المولوذ’’ على رئاسة المركز الوطني للأبحاث الأنثروبولوجية والدراسات ما قبل التاريخ والإتنولوجيا، حيث أصدر مجلة "ليبيكا" التي اتّسمت بدراساتها ذات الطابع العلمي، كما نشر سنة 1973 مجموعة قصصية موسومة "موظف البنك" التي تضمنت أيضا مقالات سبق وأن نشرها من قبل.

جامعة قسنطينة أغلقت .. بابها

في 1974، ألغت جامعة قسنطينة ملتقى دوليا بعنوان ‘’الآداب والتعبير الشعبي في المغرب الحالي"، ولعلّ التحفّظ من الدراسات التي كان يقدمها الكاتب في المحافل الدولية، أبقى نية السلطات على منعه من أية محاضرة في هذا الموضوع إلى غاية سنة 1980، حيث تلقت خطوة المنع غضبا طلابيا واسعا امتدت شظاياه إلى كل الشارع آنذاك.

في سنة 1980، تلقى الكاتب دعوة إلى إلقاء محاضرة بجامعة تيزي وزو بعنوان ‘’الأدب الشعبي القبائلي’’، غير أن السلطات الولائية قررت يوم 10 مارس 1980 إلغاء المحاضرة، مما ألهب الأجواء الطلابية وتسارعت الأحداث فولدت الأحداث "الربيع الأمازيغي" يوم 20 أفريل 1980. وفي نفس العام، أقدم على تجربة نشر ما جادت قريحته من شعر، فكان ديوان ‘’أشعار القبيلة".

وفي سنة 1982 عاد معمري إلى العمل الروائي، فنشر روايته الرابعة ‘’العبور’’، وفي نفس السنة، أسس بباريس مركز الدراسات والأبحاث الأمازيغية، وكذا أنشأ مجلة ‘’ أوال ‘’ (الكلمة)، وفي زخم تلك الأنشطة المكثفة، بادر معمري إلى عقد ندوة قيمة حول "اللغة والأدب الأمازيغيين"، وكانت تلك صيغة مكملة لإحدى الندوات التي اختتمت أشغالها بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بفرنسا، ومن أبرز ما يحسب للكاتب أنه أول من قنّن اللغة الأمازيغية في صيغة أدوات علمية ساهمت في ترقيتها وجعلها أكثر تنظيما.

ومثلما كتب في الرواية، تعاطى القصة، حيث أصدر "عامر الأقواس والمظام" عام 1953، "الحمار الوحشي" علم 1957، "العصابة في 1976، "صحراء أطافيا" في 1983، وكذا "ليبكسوس" في و«محطات" في 1985. وفي المسرح ألّف "الفون أو البرهان بالتسعة" عام 1982، "المؤدبة" في 1973 وأيضا "مدينة الشمس" في 1987.

في الترجمة والنقد الأدبي، أثرى معمري المكتية بـ«أشعار سي محند أومحند"، "الشعر القبائلي القديم"، "أهاليل ن قورار"، "قال الشيخ محند"، فضلا عن "ماشاهو" و«ثلام شاهو"، ودعّم مجال القواعد واللسانيات بـ«قواعد اللغة الأمازيغية، المتغير والقبائلية"، "خصوصيات قواعد اللغة الأمازيغية"، "قاموس فرنسي ـ ترقي"، "قاموس أمازيغي- فرنسي وفرنسي أمازيغي"، وأيضا دفتر الدراسات الأمازيغية "أوال". في 1988 كرّم مولود معمري بالدكتوراه الفخرية منحتها له جامعة السوربون نظير ما قدمه من أعمال أدبية إنسانية خالدة، وقبل يومين من رحيله، أجرت مجلة "لوماتان دي صاحارا" المغربية حوارا صريحا معه، وكان الحوار مركزا عن إشكالية خصائص وعولمة الأدب المغاربي المكتوب باللغة الفرنسية، وخلال الحوار كانت إجابات الكاتب تفاؤلية نوستالجية أحيانا نلمس فيها الكثير من القراءات. لقد كان إنسانيا في إجاباته ومجايلا لكتاب عصره من الشباب. 

الجزائر تجري في إبداعه.. وعروقه

كان مولود معمري أشدّ التمسك بشعبه الذي ضحى غاليا في سبيل حريته، وكان يقول "مهما بلغت نقطة نهاية مشوار حياتي، فإنني أبقى متأكدا من أنه وعلى الرغم من الصعوبات التي يصنعها التاريخ أمام طريق الانعتاق والحرية، فإن شعبنا سيكون مع الشعوب الحرة الأخرى"، ويضيف "إن الجهل والأحكام المسبقة وانعدام الثقافة قد تعطّل هذه الحركة التحررية ولو للحظات، لكن من المؤكد أنه سيأتي اليوم الذي تنجلي فيه الحقيقة من الخيال". 

توفي مولود معمري في 26 فيفري 1989 في حادث سيارة بعين الدفلى، بعد عودته من ملتقى بوجدة (المغرب)، ودفن في مسقط رأسه في 28 فبراير 1989. 

 

العدد 6172
26 أفريل 2017

العدد 6172