94 شخصا توفوا بالغاز منذ بداية السنة
 استطلاع: نسيمة زيداني استطلاع: نسيمة زيداني

جزائريون يهربون من الموت بردا للموت اختناقا

94 شخصا توفوا بالغاز منذ بداية السنة

يكثر في هذه الأيام مع ازدياد موجة البرد، استخدام الناس لوسائل التدفئة المتعددة في المنازل، أماكن العمل والمدارس، ومع الاستخدام الكبير لأجهزة التدفئة، يزداد خطر حدوث الكوارث التي تنتج عن سوء استخدامها، كالحرائق، أو استنشاق المواد الصاعدة الناتجة عن احتراق الوقود. أما الخطر الثاني المتمثل في استنشاق غاز أحادي أكسيد الكربون، فالكثير لا يدركون أنه السبب الرئيسي للوفاة، ومن هذا المنطلق، وقفت "المساء" على أسباب ارتفاع حصيلة الضحايا في الجزائر هذه السنة.

ارتفعت حصيلة الوفيات بغاز أكسيد الكربون في الجزائر، لاسيما في ظل موجة البرد التي عرفتها البلاد هذه السنة، حيث وقفنا عند بعض الحقائق التي كانت السبب الرئيسي لانتشار الظاهرة، من خلال استطلاع ميداني يكشف الواقع. 

الصامت القاتل يحصد 94 قتيلا منذ بداية السنة

بلغ عدد الأشخاص المتوفين جراء الاختناقات بغاز أول أكسيد الكربون المنبعث من أجهزة التدفئة المختلفة على المستوى الوطني 94 حالة وفاة، من الفاتح جانفي إلى غاية هذا الأسبوع، والسبب يعود إلى غياب التهوية، حسبما أكده المدير المركزي للحماية المدنية، العقيد فاروق عاشور لـ«المساء". وأوضح في نفس السياق، أن عدد الأشخاص المتوفين منذ بداية السنة الجارية 2017، كان بسبب غاز أول أكسيد الكربون، إذ في ولاية الجزائر بلغ 4 وفيات، مع تسجيل 50 تدخلا، فيما بلغت الحصيلة الإجمالية لسنة 2016 ما يعادل 14 شخصا.

أوضح العقيد أن الارتفاع المحسوس راجع أساسا إلى الظروف المناخية وانخفاض درجات الحرارة، خاصة بمناطق الهضاب العليا، أين تم تسجيل أكبر حصيلة. وتمكن أعوان الحماية المدنية على المستوى الوطني من إنقاذ 764 شخصا من الموت؛ 40 منهم في الجزائر العاصمة، يقول عاشور، مشيرا إلى أن من بين أسباب الاختناقات؛  قدم أجهزة التدفئة وعدم صيانة التوصيلات الكهربائية المتعلقة بها، إضافة إلى التركيب العشوائي لهذه الأجهزة.

انعدام التهوية وراء ارتفاع عدد الضحايا

كشف المكلف بالإعلام لدى مديرية الحماية المدنية لولاية الجزائر، الملازم الأول خالد بن خلف الله لـ«المساء"، عن أن الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع عدد ضحايا أكسيد الكربون ـ حسبه ـ تعود إلى عدم تفقد الخرطوم الواصل بين الأسطوانة والمدفأة في كل فترة، وكذا استبدال مانعة التسرب، واستبدال الأسطوانة، والتأكد من صلاحية الصمام الرئيسي ووضعها في غرف جيدة التهوية، إلى جانب تركيب سخانات الغاز داخل الحمام أو في الأماكن المغلقة داخل المنزل. كلها، حسب تأكيده، تؤدي إلى عملية الاختناق بسبب إمكانية تسرب الغاز الخانق.

أشار إلى سوء استخدام أسطوانات الغاز أثناء الطهي  الذي له دور كبير ومهم في عملية الاختناق، حيث يكثر استخدام وسائل التدفئة المختلفة، خصوصا تلك التي تعمل بالوقود، والتي تتطلب الحذر الشديد في اتباع الطرق السليمة والصحيحة في كيفية تشغيلها، إطفائها وكيفية تزويدها بالوقود، كل هذا يشكل خطرا كبيرا على الإنسان، يوضح مصدرنا.

ومن أهم الممارسات الخاطئة في استخدام المدافئ؛ وضعها داخل الحمام أثناء عملية الاستحمام، مما يؤدي إلى زيادة نسبة الغازات السامة والخانقة الناتجة عن عملية الاحتراق، وترك المدفأة مشتعلة أثناء النوم، كلها تعد من مسببات حدوث عملية الاختناق، فضلا عن مواقد الحطب، إذ يلجأ البعض إلى تركها مشتعلة داخل المنزل، دون القيام بعملية التهوية اللازمة والمناسبة لتجديد الهواء داخل المنزل، وهو ما يؤدي إلى اختناق الأشخاص، يشرح بن خلف الله.

مدفآت مستعملة وأخرى مقلدة.. قنابل قاتلة

من جهة أخرى، أكد بن خلف الله أن سبب الاختناق بالغاز  يرجع إلى جهل المواطنين وتعمدهم استعمال أجهزة تدفئة مستعملة أو رخيصة الثمن، وكثيرا ما يلجأ هؤلاء مع بداية دخول فصل الشتاء إلى أسواق الخردة لاقتناء أجهزة التدفئة المعطلة التي يعيدون تصليحها واستعمالها داخل غرف النوم.

في هذا الصدد، يقول أحد باعة هذه الأجهزة بسوق الحميز في العاصمة، بأن المواطنين يعمدون إلى اقتناء هذه الأجهزة نتيجة ضيق الحال"، لأن ثمنها يبقى في متناولهم مع الارتفاع الكبير في ثمن أجهزة التدفئة أوروبية الصنع.

وما لاحظناه أن المواطنين يقبلون على شراء هذه الأجهزة، مضطرين إلى استعمالها، رغم أنها تشكل خطورة كبيرة على حياتهم، وأغلبهم يسكنون مساكن قديمة وهشة لا تقيهم برد الشتاء، ويضيف البائع أن هناك في السوق ما هو أخطر من أجهزة التدفئة المستعملة، وهي أجهزة مقلدة لا يستطيع الشاري التفريق بينها وبين الأصلية منها، هذه الأخيرة قد تتسبب في حوادث اختناق كثيرة إذا لم يتم الانتباه لها والتحذير منها.

‘’سونلغاز" تحذر من غلق  فتحات التهوية

حذر السيد سلماني محمد مهندس وممثل شركة "سونلغاز" في حدثه لـ«المساء"، من أخطار عدم تنظيف مصفاة أجهزة التدفئة ومن مخاطر غلق فتحات التهوية أثناء إجراء أشغال التحويلات والتعديلات داخل السكنات باعتبارها ضرورية. 

وأكد أن الغازات المحترقة، وبالأخص أول أوكسيد الكربون،   هي أكبر متسبب في الاختناقات والوفيات.

وأضاف أنه من بين الأسباب كذلك، عدم احترام مقاييس الأمان أثناء تركيب تجهيزات التدفئة، لاسيما فيما يتعلق بالتهوية وإغلاق الصمامات بشكل جيد. ودعا إلى ضرورة اختيار سباك مؤهل من طرف مصالح "سونلغاز" لأنه يملك الخبرة ويضمن عملية ترصيص وفق المقاييس لتفادي التسربات.

المواطن لا يستجيب للحملات التحسيسية

رغم الحملات التحسيسية التي تقوم بها مختلف الأجهزة من حماية مدنية ودرك وغيرها، إلا أن أخبار الموت بالغاز تطل علينا مع بداية كل فصل شتاء، تنقل تعرّض عائلات بأكملها إلى الاختناق بالغاز أو انفجارات في منازل ومستودعات نتيجة تسرب الغاز الذي غفل الناس عن مراقبته.

أدى ذلك إلى حوادث عديدة تصدرت الأخبار، ويبدو أن كل هذه الحوادث لم تدفع المواطنين إلى توخي الحذر والتعامل مع الغاز ومختلف الأخطار الأخرى بجدية أكبر، والدليل على ذلك أن الحوادث ما تزال تتكرر رغم حملات التوعية والتحسيس.

للإشارة، فإن وحدات الحماية المدنية أطلقت قافلة تحسيسية للوقاية من الحوادث المنزلية والاختناقات الناجمة عن الغاز،  خاصة غاز أحادي الكربون منذ بداية السنة وإلى غاية شهر أفريل المقبل، لكن الحملات لم يستجب لها المواطن بدليل ارتفاع عدد الضحايا.

أوضح بن خلف الله أن القافلة التحسيسية للتوعية من أخطار حوادث الاختناق والتسمم بغاز أحادي الكاربون (القاتل الصامت) الذي لا لون ولارائحة له، ويسجل ضحايا سنويا، تتزامن وموسم الشتاء، وتجوب العديد من البلديات، وفق رزنامة معينة، مع التركيز على الأحياء السكنية الجديدة في إطار برنامج الترحيل في ولاية الجزائر. 

كما ستنتقل القافلة التحسيسية إلى المؤسسات التربوية والإقامات الجامعية والساحات العمومية والمكتبات ودور الشباب، وغيرها من المرافق التي تستقطب المواطنين، حيث تشمل دروسا توعوية حول هذه الأخطار. 

أكد محدثنا أن الهدف من تنظيم هذه الحملات التحسيسية،  هو تقديم صورة واضحة ومبسطة حول خطورة التسربات الغازية على حياة المواطن، إذا لم يراع جملة من الشروط والتعليمات من خلال معارض توضيحية بالصور ومطويات تبسط كيفية الوقاية، واكتشاف عملية التسربات لتفادي الاختناقات. 

جمعية حماية المستهلك تدق ناقوس الخطر

دقت جمعية حماية المستهلك ناقوس الخطر، بسبب الاستعمال العشوائي للمدافيء وعدم صيانتها قبل الاستعمال، حيث أكد رئيس الجمعية مصطفى زبدي، أن المواطن يستعمل أجهزة مغشوشة وغير مطابقة لمعايير الأمان في الأسواق، وحتى وجود قطع غيار لهذه الأجهزة مقلدة ومغشوشة.

أشار نفس المصدر إلى غياب أجهزة الرقابة والتقنيات التي تسمح بالتأكد التام من سلامة الأجهزة، وأيضا افتقاد معايير الرقابة المخبرية التي تسمح بغربلة ما يدخل إلى الأسواق من أجهزة تدفئة، مشيرا إلى الخطر الكبير والداهم الذي تشكله هذه الأجهزة المغشوشة وغير الآمنة على حياة المواطنين، التي تتسبب في وقوع حوادث اختناق وانفجارات.

العدد 6195
24 ماي 2017

العدد 6195