الأسرة الجزائرية بين هاجس العولمة والتمسك بالتقاليد
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

يوسف حنطابلي أستاذ علم الاجتماع لـ«المساء»:

الأسرة الجزائرية بين هاجس العولمة والتمسك بالتقاليد

أكد يوسف حنطابلي أستاذ علم الاجتماع بجامعة البليدة، أن الأسرة الجزائرية رغم كل الجهود التي تبذلها من أجل الحفاظ على متانتها وصلابتها مقارنة بالأسر الأوروبية، وحرصها الشديد على تقديس تصورها النموذجي للأسرة المحافظة والمبني على مثل وأسس تقليدية، إلا أنها اليوم بفعل العولمة تصادفها «الصدمة المزدوجة»، حيث تعيش على مستوى واقع تجليات أجنبية، وفي نفس الوقت في الحقيقة تعيش عكس ما تتصوره من خلال تبني نماذج تكون جديدة في كل مرة تتغير بتغير العوامل المحيطة، اعتقادا منها بأنها بذلك تواكب التطور في المجالات الأخرى.

أشار المتحدث على هامش اليوم العالمي للأسر الذي نظمته وزارة التضامن والأسرة وقضايا المرأة مؤخرا، إلى أن الأسرة الجزائرية لا تزال تحاول تطويع مختلف المتغيرات وجعلها تخدم صالحها، حتى تكون لها بذلك مرجعا أساسيا تبني من خلاله العلاقات الأسرية في أحسن صورها.

وفي سياق متصل، أوضح حنطابلي أن المجتمع الجزائري كغيره من المجتمعات الأخرى، عرف تغيرات عديدة على مختلف الأصعدة مست مختلف جوانب حياته، بعض من تلك المتغيرات أخذت مسارات لم تعهدها من قبل، مما أدى إلى ظهور آفات جديدة مست بكيانها وأحيانا بمبادئ بعضها وكذا روابطها، الأمر الذي دفع العديدين إلى التصدي لتلك التهديدات ومواجهتها بطريقة تضمن لها الحفاظ على «الحياة الاجتماعية الأسرية التقليدية» التي عهدتها.

وأوضح حنطبلي أن المجتمع عامة عرف دخول مصطلحات جديدة حولت الأسرة من العائلة الممتدة إلى النووية، وأعطى أكبر مثال عن ذلك؛ فقدان «الجد» أو كبير العائلة المكانة التي كانت له سابقا، حيث كان قبل سنوات ولت هو من يسهر على الحفاظ على القيم والمبادئ وسط العائلة، إذ كانت له خصوصية في فرض الاحترام المتبادل والعيش وسط حلقة سليمة، كل واحد يقدر الطرف الآخر، هذا ما كان يشكل أساس الهوية وخصوصية العائلة الجزائرية.

وواصل المختص في علم الاجتماع حديثه بأن بعض الأسر اليوم باتت تشتكي من الحياة العائلية الكبيرة، مما جعلها تخرج من تلك المنظومة لتخلق لنفسها حياة فردية، تضم الزوج والزوجة والأطفال فقط، وعاد تشكيل روابط أسرية مختلفة عن الروابط العائلية التقليدية وفق قيم غير تلك التي عهدناها، وهذا ـ حسب المتحدث ـ راجع إلى أسباب ثقافية وأخرى اقتصادية.

وأن هذا الوضع الاجتماعي الجديد، يضيف المتحدث، ينتظر من الخبراء التحليل والتدقيق لمرافقته نظريا وتسديده أخلاقيا وقانونيا، فالمشكل في المجتمعات العربية الحديثة التي تعد الجزائر واحدة منها، أنه على مستوى الواقع المعيش أصبحت تجليات الحديثة تنظم المجتمعات في شكل واحد رغم اختلاف القناعات، فالحياة الحضرية والمدنية التي هي أساس تطور المجتمعات الغربية، عرفت الأسرة أشكالا كانت نتيجة طبيعية للتطور الاجتماعي الذي حصل هناك، من خلال ظهور النزعة الفردية واستقلالية الأفراد اقتصاديا عن بعضهم البعض، لكن ما حصل عندنا من تحول لم يكن نتيجة لتطور إيجابي، يدخل في إطار ديناميكية التصنيع والتنمية، بل ما حصل هو تلقي نتائج وتحديات الحداثة من تصنيع كنموذج للتطور والتحضر دون أن يكون نتيجة منطقية لتطور هذه المجتمعات، الشيء الذي جعل رؤيتنا لحالات عائلاتنا أنها حالة تعبر عن حالة تفكك أسري، وينظر إليها على أنها حالة أزمة تكمن في فارق بما هو كائن وبما اعتقدنا أنه مقدس وأساسي، وهنا تكمن «الصدمة» المزدوجة، نعيش على مستوى الواقع تجليات لسنا بالضرورة من أنتجناه، وفي نفس الوقت على مستوى الواقع عكس ما نتصوره على مستوى القناعات والمعتقدات الاجتماعية.

العدد 6196
25 ماي 2017

العدد 6196