|
مع حلول الفاتح نوفمبر 2007 يكون الجزائريون على موعد مع إحياء أهم محطة في تاريخ الجزائر الحديث، فذكرى اندلاع الثورة التحريرية تمثل مرجعا ومعلما لكل التحولات التي تعرفها البلاد في مختلف المجالات وعلى مر السنوات الماضية وحتى السنين المقبلة·فالجزائريون يحتفلون اليوم بالذكرى الثالثة والخمسين لقيام الثورة التحريرية ضد المستعمر الفرنسي، ويكونون بذلك على موعد مع تسجيل وقفة مع انجازات حققها جيل منه من قضى نحبه ومنهم من ينتظر··
طالع ملف 1 نوفمبر 1954 علي صياغة بي دي اف من ص5 الي ص 15
وفي هذا المقام لا يمكن تناول هذه الذكرى دون أن نعرج على ما يُثار في الضفة الأخرى من محاولات لإحياء الماضي الاستعماري ونقصد تلك النخب الفرنسية وسياسيي باريس أصحاب الفكر اليميني الذين يسعون جاهدين من أجل عرقلة كل تقارب جزائري فرنسي وبناء تعاون استراتيجي وذلك بتسويق قوانين وأفكار تمجد الاستعمار وتزعم ان لديه جانبا حضاريا وكأن قتل وطمس هوية الشعوب حضارة! وتأكد من خلال توجهاتهم هذه، صدق من قال بأن المستعمر الفرنسي لم يهضم الهزيمة التي مني بها في الجزائر حتى الآن ولم يعترف بها؟ ···
لكن رغم كل الهزات التي قد تحدثها القصائد الجنونية و"شطحات" المصابين بالحنين إلى الماضي العنصري الاستعماري لفرنسا، تبقى الثورة الجزائرية شعلة تضيء الطريق لمن يبحث عن الحرية والانعتاق وصيانة الكرامة الإنسانية، بعد أن كانت قيادتها مثالا للصبر والتحدي والإصرار على تحقيق النصر النهائي وتجسيد إرادة الجماهير في استعادة الحرية· وقد كانت ليلة الفاتح من نوفمبر 1954 نقطة التحول التي استجمع فيها جنود جيش التحرير الوطني أسرار النصر والانتصار رغم عدم التكافؤ في العدة والعتاد، وانطلقت شرارة حرب التحرير مضيئة في كل ربوع الوطن المغتصب وتوحد الكل على كلمة تعد بالنصر وهزم العدو·
ومن هذا المنطلق فإنه لا يجب أن ينظر لإحياء الذكرى على انها مناسبة "روتينية" ولكن على انها ذكرى مجيدة تتعدد أبعادها وتجتمع العبر فيها عند استذكار طلائع الشهداء الذين نذروا أنفسهم من أجل استقلال الجزائر، وكذا وقفة خالدة مع التاريخ البطولي لشعب صنع معجزة الانتصار على أعظم القوى الإستدمارية في العالم بثورة هزيلة الإمكانيات لكنها عظيمة الشأن والمغزى·
ويتأكد أيضا أن الاحتفال بالذكرى الثالثة والخمسين لاندلاع ثورتنا المجيدة، هو تمسك بعهد الشهداء للجيل الحالي، وبذلك سنظل نحتفل كل سنة بذكرانا ونحيي ذاكرتنا من أجل مواصلة التحدي ونحتفل بها وكلنا إيمان وعزم على شحذ الهمم لتقديم المزيد من التضحيات في سبيل تحقيق مبادئ وأهداف السلم والعلم والعمل، ولن يتأت ذلك إلا بتجسيد ما ضربناه لأنفسنا ووطننا من إلتزام بمواصلة المسيرة من أجل البناء ومن أجل إعلاء قيم التصالح والإخاء والتكافل والدفاع عن مقومات السلم والسلام بالمصالحة مع الذات والوطن والتاريخ،ولنا في كفاح أبائنا وأجدادنا زاد وعبرة لنصنع منهما نوفمبر جديدا·
ومن هنا يمكن الإشارة إلى المسيرة التي قطعتها الجزائر في بناء الدولة العصرية ورغم كل ما يقال عن محطات الفشل والنجاح، فإن المرحلة التي تلت الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد في تسعينيات القرن الماضي تعد مهمة للغاية باعتبارها فترة كما قال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، كادت أن تعصف بأركان الدولة·
لقد عاشت جزائر ما بعد مرحلتين مهمتين الأولى في عهد الاشتراكية والثانية بعد إقرار التعددية السياسية وما حملته هذه الأخيرة من تطورات أليمة كون البلاد لم تكن مهيأة لمثل هذا التحول "الراديكالي"، ولكن ما ميز فترة نهاية التسعينيات كانت هي الأخرى مهمة لأنها عرفت جهودا من أجل استتباب الأمن وإرساء قطيعة مع سنوات الدمار، وجاء قانون الرحمة ثم قانون الوئام المدني وتم ختم المسارين بقانون للمصالحة الوطنية فتح الباب أمام بعث مسار التنمية وجلب الاستثمار الذي يبقى رغم النتائج المحققة بعيدا عن الأهداف المسطرة·
ولكن مسعى السلم والمصالحة الوطنية منذ إقراره حقق نتائج ايجابية سمحت بوضوح الرؤية حول ما يجب تنفيذه وتحقيقه لإنجاح تصور إنهاء التبعية للمحروقات، كما سمح بمعالجة جوانب سياسية وأمنية ومكن من معالجة ملفات كانت شديدة التعقيد مثل ملف ضحايا المأساة الوطنية·
ولم يقتصر تصور الرئيس بوتفليقة لإنهاء الوضع المتأزم في البلاد عن الجانب السياسي والأمني بل شمل أيضا الاهتمام بالجانب التنموي من خلال تخصيص أكثر من 155 مليار دولار للإنعاش الاقتصادي، وفتح ورشات ضخمة في جميع القطاعات وبخاصة في مجال الأشغال العمومية والسكك الحديدية·
وأكثر من هذا كله فقد حظي الجانب الاجتماعي في السنوات الأخيرة باهتمام بالغ توج بمراجعة أجور العمال كخطوة في إطار بلوغ هدف الرفع من مستوى معيشة المواطن الجزائري، كما توجت الإجراءات الاجتماعية بالتوقيع على عقد اجتماعي واقتصادي بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين يعد الأول من نوعه في تاريخ الجزائر·
وبين هذا وذلك، شهدت الدبلوماسية الجزائرية أيضا انتعاشا بفضل الاستراتيجية المنتهجة من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتي ترتكز على إعادة توثيق روابط الصداقة والتعاون مع الدول ومختلف الهيئات الدولية·
|