|
كثيرا ما يرفع النوابغ من الشعراء أصواتهم بالشكوى عندما تتمرّد اللّغة عليهم مع أنّهم أعظم من تتسامح اللغة معهم، ولعلّ سبب شكواهم يعود إلى أنّهم يطرقون أبوابا من الأفكار والصور والأحاسيس لا قِبل للّغة العادية المرسلة بأن تلمّ شتاتها على غرار ما تفعله مع باقي المواضيع الإنسانية الأخرى·
الشاعر أدونيس، على سبيل المثال، يتصايح قائلا: >ألا ما أضيق باب الأبجدية!< وقبله بزمن طويل، قال الشاعر (النفّري) في نفس السياق:>كلّما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة!<، أمّا المتنبي فكان يجيب سائليه عن المعنى الذي قصد إليه في هذا البيت من الشعر أو ذاك قائلا: >سلوا ابن جني، فهو يعرف عني ما لا أعرفه عن نفسي!<، وهل هناك أعرف باللغة العربية ومسالكها من العلاّمة ابن جني، صاحب كتاب (الخصائص)؟·
هناك أمور لم يُنزل الله بها من سلطان، والشعراء من السبّاقين إلى مداورة هذه الأمور بالذات· ومعنى ذلك أنّ المواضيع التي يتطرّقون لها في قصائدهم غير موجودة في قائمة النواميس المعروفة، ولذلك قال القرآن الكريم فيهم: >ألم تر أنهم في كل واد يهيمون؟<·
غير أنّ التأويلات المتواترة في هذا الشأن تشير إلى أنّ الشعراء لهم علاقة ببعض العوالم الخفية، أي تلك التي تسمح لهم بالخوض في أمور ليست في متناول الإنسان العادي· البعض يزعمون أنّ هناك شيئا غيبيا في الشعر وفي تعاطيه، والبعض الآخر يقولون إن الشعراء الأصلاء يعيشون خارج نطاق المكان والزمان إلى غير ذلك من التأويلات·
وقديما كانت العرب تزعم أنّ لكلّ شاعر شيطانا، وأن هناك مكانا معينا يسمى "عبقر" تتزاحم فيه أرواح الشعراء من أجل الاتصال المباشر بأولئك الشياطين· أمّا اليونانيون القدماء فكانوا يزعمون أنّ هناك ربّات حقيقية تختص بشؤون الشعر والشعراء، توحي إليهم زخرف القول، وتحميهم من غوائل الحياة العادية·
وتلك كلّها تُرّهات بطبيعة الحال، ذلك لأنّ الإنسان يظلّ مخلوقا يؤدّي دوره في هذه الحياة، وقد يحدث له أن يشبّ عن الطوق في صبوة من الصبوات فينظم شعرا، ويكون شعره هذا خارجا عن الدروب المعهودة التي يسير عليها غيره من بني الإنسان· ومن ثمّ، فمن الطبيعي أن تتواتر على لسانه أفكار وصور وأحاسيس خارجة عن نطاق العادة، أي أمور ما أنزل الله بها من سلطان، ويجد نفسه بعدها مضطرا لقولبتها ضمن كلمات وتعابير لا يكاد يفهمها ويتذوّقها إلاّ القليلون من الناس·
وهل الحياة إلاّ مجموعة من الكلمات التي اصطلح عليها بنو الإنسان منذ أن وجدت الحياة على سطح كوكبنا هذا؟، كل عزف يتم بعيدا عن استخدام المفاتيح العادية إنّما هو عزف منفرد، قد تتذوّقه أسماعه، وتتقبّله عقولنا، كما أنه قد يصير نشازا، وبذلك تصير الأبجدية عاجزة عن الإلمام به· وذلك شأن الشعراء الموهوبين في هذه الدنيا.
|