|
آخر أشاعرة المغرب قاطبة
للإمام السنوسي مكانة مرموقة عند أهالي تلمسان، فالعامة من الناس ترى فيه ذلك الزاهد المتأمل في ملكوت الخالق، وذلك الولي الصالح ذا الدعوات المستجابة، قضى حياته في النضال من اجل بقاء شعلة العلم مضيئة بالمغرب الأوسط، وذلك الفقيه الفذ الذي أرسى قواعد علم التوحيد، وزعيم تدريس علم المنطق في كل اطوار التعليم.
إن العامة والخاصة كلاهما يلتقيان عند اعتزازهما بشخصه ويودان الاقتراب منه والتبرك به ولو في قبره، حتى تزاحم الناس في الدفن بجوار قبره، فصارت المنطقة التي دفن بها المقبرة الرسمية لمدينة تلمسان فيما بعد، وحملت اسمه بعدما كانت تسمى من قبل بمقبرة ''عين وانزته'' أو مقبرة العباد السفلى.
ترى من هو الإمام السنوسي وما هي العوامل والحوادث التي شكلت شخصيته؟
يعد السنوسي ضمن الفئة المتأخرة من علماء تلمسان الكبار، إذ نهل من الينابيع الاخيرة التي زادت في ارساء قواعد المعرفة في بلده، أي ممن اخذوا معارفهم من عمالقة العصر الذهبي لتلمسان: علماء القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، ولا شك في أن هذا التوفيق المعرفي الذي حظي به يفسر لنا معارضة بعض العلماء له عند وضعه منهاجه الفكري، وهي معارضة صدرت حتى من الذين يعدون اهل سبق ورياسة في العلم، والواقع ان هذه المواقف منهم ما هي إلا نتيجة ظهور بوادر الركود الفكري بالمغرب وعدم ارتقاء الزاعمين للعلم درجات تمكنهم من ادراك المقاصد، وهي مواقف تنبئ بانقطاع السند العلمي في هذه الربوع خلال الفترة الموالية مباشرة.
هذا، ونظرا لارتوائه من العنصر الأصيل حلاه ابن مريم صاحب كتاب ''البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان'' بوحيد عصره، إنه استوعب جيدا كل علوم عصره وفهم بعمق مقاصد العلماء السابقين وحصل على رصيد معرفي عظيم مكنه فيما بعد من احتلال الريادة العلمية في عصره. إن علماء عصره كانوا متمكنين من علم أو علمين، وكان هو صاحب كفاءات في كل مجالات المعرفة، الأمر الذي جعل معارضيه انفسهم يعترفون له بسبقه، فهو في آن واحد الفقيه الفذ والمفتي اليقظ والمتكلم المحنك زعيم علم التوحيد، والرياضي شارح ابن الياسمين والفرضي والفلكي الناظم والطبيب الحكيم والصوفي المناضل. ولإبراز أثر السنوسي في التيار الفكري بالمغرب أولا ثم في العالم ثانيا، فقد كان من مبررات تأليف ابن مريم لكتابه ''البستان'' ما جاء في مقدمته على لسان السنوسي، ونقتطف منه فقرة: ''ليكن اعتناؤك يا أخي بمن تأخر من الصالحين وخصوصا من أهل بلدك حلولا بالسكنى والدفن أكثر من اعتنائك بمن تقدم منهم وذلك لأوجه، أحدها أن الغالب فيمن تقدم إمكان الاستغناء عن التعريف بأحوالهم بتأليف من مضى، والثاني أن نشاط النفوس للخير والاقتداء يذكر محاسن المعاصرين لها أو من قرب من المعاصرين أكثر من نشاطها بذكر من بعد زمانه لأن منافسة المعاصر لمعاصره في الخير معلومة...« إنه ما من شك أن مضمون الكتاب موجز في هذه الفقرة.
فالذي يجب ذكره أن إدراكه الفائق للحالة المزرية التي تعيشها الأمة الإسلامية مكنه من التحدي، لا بزعامة المشيخة الدينية ولا بزعامة المشيخة السياسية، بل بزعامة تربوية، إنه تيقن بأن أحسن طريق للنهوض بالأمة لا يمكن تحقيقه إلا بسياسة تربوية رشيدة رافضة للتقليد وعازمة على احياء الاجتهاد ليس الديني فقط، بل في جميع ميادين الحياة، إنه كان يرمي الى إعادة بناء الفكر الذي يمكن المرء المؤمن من مسايرة التطور الحضاري ولو بتعصب أبدا الى الرجوع فترة الخلفاء الراشدين التي تعتبر من العديد من المفكرين أنها الأصل في العودة الى صفاء العقيدة، وعلى هذا الأساس أعاد النظر في التأليف حول العقيدة فقدم للأمة خمس مستويات حسب فئات المجتمع، وكل واحدة منها أردفها بشرح.
هذا المجهود الفكري جعل علماء المشرق يعترفون بسبقه في ميدان علم التوحيد حتى سموا علم التوحيد بعلم المغاربة، إنه يعد بحق المصلح المجدد وهو أيضا آخر المجتهدين الأشاعرة بالغرب الإسلامي.
وأما مكانته على المستوى العالمي فجامعة ليبزك )جمق«ىه( لما رغبت في الحصول على كتاب شامل للعقيدة الإسلامية كلفت العالم الألماني وولف )طٌُن(
بالبحث عن في مخطوطات القاهرة، فذهب إليها ورجع وبيده ''العقيدة الصغرى'' للسنوسي!
وهكذا فإذا كانت المدرسة الألمانية قد اعترفت بفضل السنوسي في الميدان الفكري، فالواجب يفرض علينا الاهتمام الجدي بمؤلفاته وبمنهجيته، وذلك لبناء منظومة فكرية تستجيب لمطالب العصر إذ لا يزال دارسو أفكاره يعدونها جد معاصرة وناجعة، فعلى هذا الأساس يعده البعض من رجال الألفية الثالثة.
لقد آمن السنوسي برسالة العلماء وبواجباتهم نحو مجتمعاتهم، ومن أجل ذلك ناضل طيلة حياته، وفي نضاله تأكيد على ان فكرة الإصلاح ليست وليدة النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، فما أحوجنا اليوم الى عالم من طرازه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أستاذ بجامعة أبو بكر بلقايد بتلمسان
محمد النقادي(*)
|